بقلم / حسن درباش العامري
وأخيرًا، لم تعد تركيا تُخفي حقيقة وجودها على الأراضي العراقية، بل ترجمت هذا الوجود إلى مواقف وتصريحات لا تحتمل التأويل. أطماعها باتت مكشوفة، ومشاريعها تتجاوز حدود “الأمن” و“الملاحقة”، لتلامس جوهر السيادة العراقية. فقبل أي تحرّك مباشر، تُدرك أن الطريق الأسهل يمر عبر إرباك الداخل، وإعادة تدوير أدوات الفوضى، وفي مقدمتها تنظيم داعش، لاستغلال هشاشة الواقع الاقتصادي والسياسي.
إن التردّي الاقتصادي الذي يعيشه العراق اليوم لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج سياسات حكومية عاجزة عن إدارة الدولة وفق مبادئ السياسة الرشيدة، وفهم توازنات الإقليم. حكومة السوداني، سواء عن جهل أو سوء تقدير، هيّأت بيئة رخوة لتدخّل القوى الأجنبية، عبر تضخيم دور مستشارين بلا رؤية، يستهلكون جزءًا كبيرًا من الموازنة دون أثر يُذكر، ويُسهمون في إضعاف القرار السيادي بدل تحصينه.
في ظل هذا الفراغ، يصبح العراق ساحة مفتوحة لكل من لا يحترم تاريخه ولا شعبه، ويتجرأ عليه كل طامع، ظنًّا أن الانقسام والإنهاك كفيلان بكسر الإرادة الوطنية. غير أن تركيا، وغيرها، مطالَبة بأن تُدرك حقيقة راسخة: أن العراق، حين يواجه خطرًا حقيقيًا وأطماعًا سافرة، يستعيد وحدته، ويتجاوز خلافاته، وتنهض فيه روح الدفاع عن الأرض والسيادة.
رجال العراق، بكل أطيافهم، لم يكونوا يومًا دعاة عدوان، لكنهم أيضًا لم يقبلوا التفريط بشبر من أرضهم أو ذرة من خيراتهم. والتاريخ القريب والبعيد شاهد على أن كل من راهن على ضعف العراق، عاد بخيبة، وكانت مكائده سبب سقوطه السياسي والأخلاقي. فالعراق قد يَتعب، لكنه لا يُكسر، وقد يُحاصَر، لكنه لا يُستباح.
