بقلم// الكاتب والباحث في الشأن السياسي
حسن درباش العامري
لم يعد من الممكن فهم ما يجري في الشرق الأوسط من خلال الأحداث الظاهرة فقط، ولا عبر التصريحات السياسية أو التحليلات السطحية التي تكتفي بوصف النتائج دون التعمق في الأسباب. فالمشهد، في حقيقته، أكثر تعقيدًا وتشابكًا، حيث تتحرك قوى متعددة عبر أدوات غير تقليدية، تستهدف في جوهرها إعادة تشكيل القرار لتحقيق اهداف غالبيتها غير مشروعه من خلال السيطرة على الاقتصاد او الاقليم بشكل عام ليكون اداة طيعة ، لا مجرد التأثير عليه.
إن السيطرة على الكثير من دول المنطقة في العصر الحديث لم تعد تمر عبر الاحتلال العسكري المباشر، بل عبر التحكم في مفاصل القرار، وتوجيه القيادات او السيطرة المطلقة عليهم ، وبناء منظومات ضغط تجعل من استقلال القرار أمرًا بالغ الصعوبة. وهنا، تبرز فكرة محورية:
أن الطريق إلى تلك الدولة لا يمر عبر حدودها… بل عبر قادتها.
فالقائد الذي تحركة غرائزه وطموحات اكبر من امكاناته ولايلتزم بمبادئ وقيم ثابتة ومتجذرن سنجده صيدا سهلا لتلك المؤثرات ،و الذي يبدو في الظاهر ممثلًا لإرادة شعبه، قد يكون في الواقع جزءًا من منظومة مسيطرة أوسع، تم إعداده داخلها، أو أُدخل إليها لاحقًا عبر شبكات معقدة من العلاقات والمصالح او ان تم تطويعة باغراءات او بتهديدة بفضائح مفتعله . هذه المنظومة لا تعتمد على أسلوب واحد، بل تستخدم مزيجًا من الأدوات:
الاقتصاد، الإعلام، التكنولوجيا، والعلاقات الدولية، والتأثيرات النفسيه وحتى الفضائح الاجتماعية ، لتشكيل بيئة تجعل القرار السياسي محكومًا بسقف غير مرئي.
وفي هذا السياق، لا يُفرض التوجيه دائمًا بشكل مباشر، بل يُبنى تدريجيًا عبر خلق واقع لا يترك خيارات حقيقية أمام صانع القرار. فالدولة التي تعتمد اقتصاديًا على أطراف خارجية، أو ترتبط منظوماتها التقنية والبنيوية بمصادر خارجية، تجد نفسها مضطرة للتكيف مع متطلبات هذه العلاقة، حتى وإن تعارضت مع مصالحها الداخلية.هذا في الحالات الطبيعيه ولكن قد يجد القائد نفسه مظطرا لتنفيذ الاوامر بسبب تهديدات كان قد تورط بها كما حصل في جزيرة ابستسن او ما يحدث من توريط بعض القادة العرب في اعداد اماكن غيرها بسبب غرائز يمتازون بها ،
وهكذا، تتحول السيادة في تلك الدول من مفهوم مطلق إلى حالة نسبية، تتأرجح بين ما هو ممكن وما هو مفروض.
لكن هذه السيطرة لا تكتمل دون إعادة تشكيل البيئة التي يتحرك فيها القائد. فالإعلام يلعب دورًا محوريًا في صناعة الصورة، وتوجيه الرأي العام، وتهيئة المجتمعات لتقبل قرارات معينة. والتعليم، بدوره، يعيد تشكيل وعي الأجيال، ويحدد طريقة فهمهم للعالم، بما ينسجم مع مسارات محددة مسبقًا.ولكن يبقى للدين الوازع الاكبر والدرع الحصين لذلك نجد الصمود الايراني كان واضحا مقابل الانصياع الخليجي الذليل للتخلي عن الثوابت والقضايا الجوهريه ..بل وحتى المبادئ والقيم
ومع تطور التكنولوجيا، دخلت أدوات جديدة إلى هذا المشهد، جعلت السيطرة أكثر دقة وأقل وضوحًا. فالمراقبة الرقمية، وتحليل البيانات، وأنظمة المدن الذكية، لم تعد مجرد أدوات خدمية، بل تحولت إلى وسائل لفهم المجتمع، والتأثير في سلوكه، وتوجيهه بشكل غير مباشر.
في هذا النموذج الجديد، لا تحتاج القوة إلى أن تُظهر نفسها، لأنها تعمل من داخل البنية نفسها. كل نظام، كل خدمة، كل منصة، يمكن أن تتحول إلى أداة تأثير، إذا ما تم توظيفها ضمن رؤية استراتيجية متكاملة.
غير أن أخطر ما في هذه المنظومة، ليس في تعقيدها، بل في قدرتها على العمل دون أن تُرى. فالمجتمعات قد تعيش داخلها لسنوات، دون أن تدرك أنها تتحرك ضمن مسارات محددة سلفًا، وأن ما يبدو اختيارًا حرًا، قد يكون في كثير من الأحيان نتيجة توجيه غير مباشر.
ومن هنا، يصبح الوعي هو العامل الحاسم.
فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على العقل، وعلى القدرة على فهم ما يجري خلف الظواهر.وهنا لابد من التدقيق في اختيار القاده وبطرق ترتقي لاسباب التغيير التكنولوجي الحديث ،
إن إدراك آليات السيطرة، لا يعني الوقوع في اليأس، بل هو الخطوة الأولى نحو استعادة القدرة على الفعل واتخاذ التدابير للمواجهة. فالدولة أو المجتمع الذي يفهم كيف تُدار اللعبة، يصبح أكثر قدرة على حماية قراره، وأقل وترهن مستقبل بلده ، وتولد عندة قابلية للانجرار خلف مسارات لا تخدم مصالحه.
وهنا، تبرز فكرة “المقاومة الحديثة”، التي لا ايمانيه ودينية تقوم على فكرة المواجهة، بل على بناء بدائل:
بدائل اقتصادية ايضا تقلل من الاعتماد،على الباحثين عن السيطره والاذلال
وبدائل تعليمية تعزز التفكير،وتبني دروع المواجة وخير التعليم تعلم الثبات على المبادئ والقيم والثوابت الانسانية
وبدائل تقنية تحافظ على الاستقلال،
وبنية اجتماعية قادرة على التماسك أمام الضغوط. وفكرة تهيأة البدائل للقيادات كما فعلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال مواجهتها للاعتداءات الصهيو امريكيه عندما اوصى القائد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران السيد الشهيد علي خامنئي قدست روحه الطاهرة عندما اختار اربعة بدائل لكل مسؤول تحسبا لاختيار الاصلح ولتجنب الارباك اثناء المعركه وهنا سيضمن استقرار الصمود وثبات القرار وتلافي اي تراجع او انهيار ..
في النهاية، لا يمكن لأي مشروع، مهما بلغت قوته، أن ينجح بشكل كامل إذا واجه مجتمعًا واعيًا،وفكرا ثابتا وقوة ثبات على المبادئ والقيم . وقيادة مستقلة، ومنظومة متماسكة. لأن القوة الحقيقية، في هذا العصر، لا تكمن فقط في امتلاك الأدوات، بل في القدرة على فهمها، والتعامل معها بوعي.
