محمود القيسي
لم يكن دخول تنظيم داعش إلى العراق في حزيران 2014 حدثاً عابراً، بل شكّل تحولاً كبيراً في الجغرافية العراقية، بعد سيطرة التنظيم على أكثر من ثلث مساحة البلاد وخروجها عن سيطرة القوات الأمنية الحكومية بالكامل، ما دفع الأطراف العراقية إلى الجلوس على طاولة واحدة لرسم ملامح علاقة جديدة فرضتها ضرورات المرحلة وتوازنات القوة، واعتماد الحوار كخيار أساسي لتجاوز الخلافات وزيادة التنسيق المشترك ما بين الأطراف السياسية والأمنية بما يضمن حفظ الأمن والاستقرار الداخلي.
مرحلة التعاون ضد تنظيم داعش
مع صدور فتوى المرجعية الشيعية العليا في النجف وتشكيل قوات الحشد الشعبي، كان الهدف دعم الأجهزة الأمنية بمختلف صنوفها ودحر الخطر الوجودي الذي اجتاح العراق، وفي هذا السياق، تأسست قوات الحشد الشعبي لتلتقي مع قوات البيشمركة الكردية في خندق واحد، رغم كل الخلافات والتقاطعات السياسية ناهيك عن الخلافات العقائدية، خاصة مع وصول تهديد التنظيم إلى حدود إقليم كردستان وتلويحه باجتياح أربيل.
هذا الواقع أفرز تنسيقاً ميدانياً في مناطق التماس، مع تأجيل الملفات العالقة بين حكومتي المركز والإقليم.
الخبير الأمني مخلد حازم قال في حديث خاص لموقع نون بوست إن "التعاون بين إقليم كردستان والحشد الشعبي نشأ بدافع الضرورة الوجودية رغم الخلافات العميقة حول المناطق المتنازع عليها، حيث فرض الواقع الميداني تنسيقاً عسكرياً لتأمين خطوط التماس المشتركة، بدعم دولي لمواجهة الخطر المشترك، فهذا التنسيق فرضته المعارك ولم يكن وليد تقارب سياسي أو بني على تفاهمات استراتيجية طويلة الأمد".
بدوره، اعتبر رئيس رابطة المحللين السياسيين هادي جلو مرعي في حديث خاص لموقع نون بوست أن "وجود تنظيم داعش شكّل خطراً شاملاً على المكونات العراقية، على المستوى العرقي والديني، وهو ما حفّز شروط المواجهة لتكون متوفرة لدى جميع الأطراف دون استثناء".
هذه المرحلة من التنسيق المشترك مابين حكومة المركز والإقليم وفرت نموذج للتعاون بين أطراف مختلفة التوجهات والسياسات وساعدت في بناء آليات لتقاسم العمليات المشتركة، بحسب مناطق التواجد والانتشار، ما رسخ فكرة المسؤولية الوطنية في مواجهة العمليات الإرهابية وتهديدات تنظيم داعش.
المناطق المتنازع عليها وبداية التباعد
بعد إعلان النصر على تنظيم داعش عام 2017، كانت قوات البيشمركة قد فرضت سيطرتها على عدد من المناطق المتنازع عليها، وهي مناطق مختلطة السكان من الغرب والكرد وتحد الإقليم مع محافظات أخرى مثل نينوى وكركوك، لتبدأ العلاقة بينها وبين قوات الحشد الشعبي بالتراجع تدريجياً.
وأوضح مخلد حازم أن السبب في ذلك يعود إلى "التنافس على بسط النفوذ في المناطق المستعادة من داعش، واختلاف الأجندات الإقليمية، وتنامي قوة الحشد كفاعل أمني وسياسي منافس لسلطة الإقليم".
هذا التنافس والاحتكاك الأمني دفع الحكومة الاتحادية برئاسة حيدر العبادي إلى التحرك لإعادة الانتشار في تلك المناطق، خصوصاً محافظة كركوك الغنية بالنفط، في خطوة عُدت تحوّلاً سياسياً مهماً آنذاك.
وفي هذا السياق، قال الفريق أول جبار ياور مستشار الشؤون العسكرية والأمنية في حكومة إقليم كردستان، في حديث خاص لموقع نون بوست إن "سبب المشاكل وعدم الاستقرار الأمني يعود إلى تعدد القوى والقيادات العسكرية المختلفة، وعدم توحيدها تحت قيادة عامة، إضافة إلى عدم تطبيق المادة (140) من الدستور، وتعدد القوى في هذه المناطق مع استمرار الخلافات السياسية".
الاستفتاء وتعقيد العلاقة مع بغداد
في خطوة تصعيدية، أعلنت حكومة إقليم كردستان موعد استفتاء الاستقلال في أيلول 2017، رغم الدعوات الدولية لتأجيله واستمرار الحوار مع بغداد.
وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 29 أيلول 2017 عدم اعترافها بنتائج الاستفتاء، معتبرة أن التصويت يفتقر إلى الشرعية، ما زاد من تعقيد العلاقة بين الطرفين، وفق مانشرته على موقعها الرسمي.
في مقابل ذلك، اعتبرت الحكومة الاتحادية الاستفتاء غير دستوري وهددت باتخاذ إجراءات لمنع أي آثار قد تضر بوحدة العراق، ومحاولات الإقليم لتعزيز فرصته في تكوين الدولة الكردية التي يرغب الإقليم في إقامتها، بعد السيطرة على الموارد الاقتصادية للبلد من خلال بسط نفوذه في المناطق الحدودية والجغرافية الغنية بالنفط والمعادن.
قانون الحشد الشعبي وتصاعد الخلاف
تدريجياً، بدأت العلاقة تتغير، وتراجع خطاب الشراكة والتنسيق، لتحل محله لغة النفوذ والسيطرة، وقد واجه قانون الحشد الشعبي اعتراضات وانقسامات واسعة من قوى سياسية، خاصة السنية والكردية.
ويرى معارضو القانون أنه جاء لزيادة توسع نفوذ الفصائل المسلحة، في حين تؤكد أطراف أخرى أن الحشد الشعبي مؤسسة رسمية مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة ولا يمكن حلها، مع ضرورة ضبط السلاح خارج إطار الدولة.
ويقول تقرير مركز ستيمسون الأمريكي "ضرورة إصلاح قوات الحشد الشعبي بشكل جذري، لضمان عدم تحولها إلى ذريعة لتقويض الاستقرار الهش الذي تحقق في البلاد بصعوبة بالغة" وهو ما يجعل النظام السياسي في العراق يواجه "لحظة مفصلية تتطلب اتخاذ قرارات حاسمة".
جبار ياور أوضح أن "مشاكل قوات البيشمركة ليست مع قيادة الحشد الشعبي الرسمية، وإنما مع بعض الفواعل المسلحة التي تستهدف إقليم كردستان ومناطقه الحيوية، إضافة إلى قصف مواقع قوات التحالف الدولي الموجود أصلاً بموافقة الحكومة الاتحادية".
في مكالمة هاتفية مع رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني في 22 تموز 2025، أعرب وزير الخارجية ماركو روبيو عن قلقه من أن مشروع قانون الحشد الشعبي "سيُرسخ نفوذ إيران والجماعات الإرهابية المسلحة التي تقوض سيادة العراق". وذلك في إشارة إلى مشروع قانون آخر يعزز وجود الحشد داخل الدولة والقوات المسلحة طرحته كتل تحالف الإطار التنسيقي الشيعي الذي يضم العشرات من نواب الفصائل المسلحة المشاركة في الانتخابات النيابية الأخيرة.
تصعيد أمني وتبادل رسائل التهديد
تشهد العلاقة بين إقليم كردستان وقوات الحشد الشعبي مرحلة جديدة من التصعيد، وسط تبادل رسائل أمنية وسياسية تزيد من الخلافات المتراكمة بين الطرفين، مايضع الحكومة الاتحادية أمام اختبار حقيقي في منع الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة بين الأطراف الداخلية والخارجية تحول العراق إلى ساحة صراع للقوى المتخالفة وتعدد الجهات المسلحة الفاعلة واختلاف اولوياتها.
في 8 آذار 2026، مع تصاعد الحرب الدائرة في المنطقة بين إيران من جانب وإسرائل وأمريكا من جانب آخر، أصدرت ما يعرف بـ "تنسيقية المقاومة العراقية" والتي تضم عدة فصائل مسلحة منضوية في الحشد، بياناً توعدت فيه قادة الأحزاب الكردية باستهداف مصالحهم الاقتصادية ومعسكراتهم.
وتعرض الإقليم، بحسب بيانات رسمية كردية، إلى أكثر من 450 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيّرة، استهدفت مواقع عسكرية وشخصيات سياسية، من بينها استهداف منزل رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني 5 مرات، اضافة لاستهداف منزل رئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في دهوك.
وفي 29 آذار 2026، طالب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني السلطات العراقية "بـحسم أمرها، إما بمنع هذه الجماعات الخارجة عن القانون أو اتخاذ إجراءات حازمة لحماية الدولة"، مؤكداً أن "شعب كردستان سيدافع عن نفسه ولن تنكسر إرادته"، وأشار بارزاني إلى أن الخلاف السياسي "لا يمكن أن يكون سبباً في تعريض حياة المدنيين للخطر ووقوع تطهير عرقي ضد الشعب الكردي".
في المقابل، أدان الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، أبو آلاء الولائي استهداف منزل نيجيرفان بارزاني، معتبراً إياه "عملاً مرفوضاً"، مشيراً إلى أن أسباب الأستهداف تتعلق بـ "تقديم تسهيلات للمعارضة الإيرانية"، كما تبرأت كتائب حزب الله من استهداف منزل نيجيرفان بارزاني، مؤكدة رفضها قصف التجمعات المدنية.
في حين يرى مراقبون وسياسيون أن "الفواعل المسلحة" ما تزال متورطة في قصف إقليم كردستان واستمرار التهديدات من قبل بعضها، وهذا ما أكده النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني ماجد شنكالي عبر حسابه على منصة إكس.
تداعيات الصراع الإقليمي على الداخل العراقي
في خضم التحولات التي تشهدها المنطقة ومحاولات بسط النفوذ بين القوى الدولية المتصارعة، انعكس التصعيد بين واشنطن وطهران على الداخل العراقي، خاصة في إقليم كردستان وبغداد، ولم تتمكن أي جهة من فصل هذه التوترات الداخلية عن الصراع الإقليمي، ولم ينحصر ضمن حدوده التقليدية، لتكون ارتدادات الهجمات إلى الداخل العراقي قاسية على أمنه ووضعه السياسي، ليأخذ حيز ضمن الصراع الاقليمي بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية المعقدة، ومصالح وارتباطات خارجية متشابكة لأغلب الجهات العراقية، مايجعله أكثر عرضة للتأثر بأي تصعيد.
المحلل السياسي صلاح الكبيسي أكد في حديث خاص لموقع نون بوست أن العراق يتعرض لضغوط خارجية تؤثر على قراراته السيادية وهو ماينعكس على التوازنات الداخلية، مضيفاً أن "تعدد مراكز القوة داخل الدولة ووجود قوى مسلحة غير مقبولة دولياً ينعكس بشكل مباشر على استقرار العلاقات فيما بين القوى السياسية وخاصة بين بغداد وأربيل".
ويرى متخصصون، أن الأحداث الجارية أكدت أن الساحة الأمنية العراقية هشة وقابلة للاهتزاز في أي لحظة كونها تتأثر سريعاً بتداعيات الصراع الإقليمي، ويصبح أي احتكاك محدود قابلاً للتوسع، خاصة إذا ما تداخلت فيه حسابات خارجية ذات طابع مصلحي، مشيرين إلى انعكاس ذلك على مهام الأجهزة الأمنية في ضبط التوازن بين القوى المختلفة، في ظل تحركات "الفواعل المسلحة" غير المنسجمة مع الأوامر العسكرية الرسمية.
ويؤكد مخلد حازم أن الخلاف سياسي، انعكس سلباً على الأمن مع استمرار محاولات فرض سياسة الأمر الواقع على الأرض، مضيفً أن "انتقال العلاقة بين الأطراف من مرحلة التنسيق الضروري إلى مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية يجعلها أكثر عرضة للتصعيد، خاصة مع وجود فاعلين مسلحين خارج الأطر الرسمية".
حالة الانقسام السياسي الذي يشهده العراق وتباين المواقف تجاه الصراع الإقليمي، وصعوبة بناء موقف رسمي موحد مُلزَم لجميع التكتلات السياسية، ينعكس بشكل مباشر على أداء المؤسسات الحكومية المختلفة، ويؤثر في استقرار القرار السياسي والاقتصادي، بحسب مراقبين.
وصرح وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، خلال لقاء تلفزيوني، بأن مواقف قادة الأحزاب الشيعية تتسم بالتناقض في تعاملها مع الفواعل الدولية، داعياً إلى ضرورة تبنّي سياسة أكثر وضوحاً واتساقاً في هذه الملفات الحساسة ومنسجمة مع التوجهات الحكومية.
مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل
تبدو أسباب الخلاف بين بغداد وأربيل عميقة ومتشابكة، سياسياً هناك صراع على الصلاحيات والموارد، وأمنياً تعدد في مراكز القرار، وجغرافياً حساسية المناطق المتنازع عليها، حيث تزيد تلك الأسباب من تعقيد المشهد، وسط تبادل رسائل تحذيرية تعكس حجم التوتر القائم مابين حكومة المركز والإقليم.
وأشار جبار ياور إلى أن "هذه الإشكالات تعود إلى ما بعد 2005، مع استمرار الخلافات حول ملفات النفط، والموازنة وحصة الكرد منها، والمنافذ الحدودية، وقوات البيشمركة، وتباين المواقف حسب المكتسبات، ودور جميع الأطراف السياسية ومستقبلهم داخل منظومة الحكم".
قيادات في الحشد الشعبي وفواعل مسلحة، تتهم سلطات الإقليم بالتغاضي عن تحركات ولقاءات "غير منضبطة" مع وجود نشاطات أو مقار لجهات خارجية مرتبطة بالكيان الصهيوني والولايات المتحدة، وهي اتهامات مكررة للإقليم، ما يجعل تلك المقار والتحركات أهداف تُضرب من قبل "الفواعل المسلحة" داخل العراق ويعرضها للهجمات المتكررة، وهي اتهامات ينفيها الإقليم بشكل مستمر مع التأكيد على عدم السماح باستخدام أراضيه للإضرار بدول الجوار.
وعلى الصعيد الداخلي للإقليم، تتصاعد خلافات الأحزاب الكردية – الكردية خاصة مابين أربيل والسليمانية، وتلقي بظلالها على المشهد العراقي وإدارة الملف الأمني وتأثير ذلك على العلاقة مع بغداد، وهو ما أضاف بُعداً سياسياً داخلياً عَقّد من الأزمة، ودفع بالكتل والأحزاب السياسية في بغداد لاستثمار هذا الخلاف لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. هذا الانقسام الداخلي أضعف من وحدة الموقف الكردي، ومنح الأطراف الأخرى مساحة أوسع للتأثير في مجريات الأحداث وحتى تشكيل الحكومة.
المحلل السياسي عبدالجبار أحمد في حديث خاص لموقع نون بوست أكد أن استمرار محاولات فصم العلاقة مابين السليمانية وأربيل والتي بدأت بأحداث كركوك وتعاون قيادات السليمانية مع عدد من قيادات الحشد الشعبي وبعض قادة الأحزاب السياسية على حساب أربيل، مضيفاً أن ذلك "ساهم بحرمان الحزب الديمقراطي الكردستاني من ممارسة دوره في كركوك، وقضايا أخرى، وعدم حيازته لدور أكبر في الداخل العراقي، مع تصاعد الاتهامات الشخصية لقادة أربيل".
وأكد عبدالجبار أحمد أن "العلاقة ستبقى متوترة مادامت العلاقات الأمريكية - الإيرانية متوترة" مضيفاً أن "الصراع سيشتد أكثر مابين الإقليم و "الفواعل المسلحة" بعد انتهاء الحرب، إذا ما جاءت حكومة ببوصلة محلية وإقليمية ودولية جديدة، مع استمرار الدعم الأمريكي للإقليم"، مشدداً أن "معادلات مابعد الحرب ستدفع لمتغيرات جيوسياسية ستوثر في طبيعة العلاقة مابين الإقليم والمركز من جهة، والفواعل المسلحة إن بقي لها دور معين من جهة أخرى".
علاقة الحكومة الاتحادية والإقليم علاقة متأرجحة، ولم تُقَدم لها الحلول المناسبة، وبين الشراكة والقطيعة، تبقى العلاقة مرهونة بالمتغيرات السياسية والأمنية، حيث تفرض التحديات أحياناً العودة إلى التنسيق، إذا ما توفرت الإرادة لذلك، ويبقى الموقف من الفدرالية وسوء الفهم ازاءها، وعدم تقبل أي دور لا مركزي، مع دعوات بعض الأطراف السياسية للمركزية وأن يكون نظام الحكم في العراق رئاسي، عَزّز في بلورة إشكاليات جديدة صعدت من حدة الخلاف.
