JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Startseite

أنا والعيد وكليجة أمي


 علي الحياني

قبل خمسة وعشرين عاماً، وتحديداً في عام 2000، كنت طفلاً في العاشرة من عمري أترقب العيد كما يترقبه كل أطفال العراق آنذاك، لم تكن أيامنا مرفهة، فقد كان الحصار يثقل كاهل العائلات، وكانت أبسط الأشياء تحتاج إلى جهد وصبر طويلين، لكن رغم ذلك كان للعيد طعم لا يشبه أي طعم آخر.


أتذكر أمي وهي تنهي إعداد صواني الكليجة بيديها المتعبتين بعد ساعات من العجن والحشو، وحين تجهز الصواني كانت تكلفني بمرافقة أبي إلى الفرن الوحيد في مدينتنا الجميلة حديثة لنشويها هناك، فالأفران المنزلية كانت نادرة مثل كثير من الأشياء التي حرمنا منها الحصار.


كان الطريق إلى الفرن جزءاً من فرحة العيد، نحمل الصواني بحذر ونقف مع عشرات العائلات التي جاءت تحمل أحلامها الصغيرة ورائحة أعيادها المنتظرة، وما إن تخرج الكليجة من الفرن حتى تمتزج رائحتها بدفء الوجوه وفرحة الأطفال.


مرت السنوات سريعاً، تغير النظام وانتهى الحصار وامتلأت البيوت بالأفران الحديثة، وأصبحت الأسواق تعج بأفخر أنواع الكليجة والحلويات والكعك، وأضحت الخيارات أكثر مما كنا نتخيل يوماً، لكن شيئاً واحداً لم يتغير، فما زلت أبحث في كل عيد عن ذلك الطعم القديم فلا أجده.


لم تكن كليجة أمي مميزة بسبب مكوناتها، ولم تكن أفخم أو أجمل مما نراه اليوم في واجهات المحلات، كانت مختلفة لأنها كانت ممزوجة بالحنان، ومعجونة بالمحبة، ومخبوزة على نار الشوق والاهتمام، كانت تحمل في داخلها قلب أم أرادت أن تصنع لأطفالها عيداً جميلاً رغم ضيق الحال وقسوة الظروف.


اليوم يبدو كل شيء أكثر وفرة، لكن الكثير من التفاصيل الجميلة تلاشت بهدوء، واختفت تلك اللمة البسيطة، وخفتت مشاعر الانتظار، وفقد العيد شيئاً من خصوصيته التي كانت تملأ القلوب قبل البيوت، صار يوماً يمر سريعاً بين الانشغالات بعدما كان مناسبة نعيش لها أياماً طويلة قبل أن تأتي.


وربما لهذا السبب، كلما اقترب العيد لا أشتاق إلى الكليجة نفسها بقدر ما أشتاق إلى أمي وهي تعدها، وإلى ذلك الطفل الذي كان يرافق أباه إلى الفرن، وإلى زمن كانت فيه الأشياء قليلة لكن الفرح كان كثيراً.


فبعض الأطعمة لا يسكن طعمها اللسان فقط، بل تسكن الذاكرة إلى الأبد، وكليجة أمي واحدة من تلك الأشياء التي كلما ابتعد الزمن عنها ازدادت جمالاً وحضوراً في القلب.

NameE-MailNachricht