JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Startseite

مهنة التحليل السياسي... بين شغف المعرفة وثمن الحقيقة...




 الكاتب /حسن درباش العامري 

عملتُ سنواتٍ طويلة في مهنة التحليل السياسي، وهي مهنة يراها كثيرون من الخارج عملاً سهلاً لا يتجاوز إبداء الرأي في الأحداث أو توقع ما قد يحدث مستقبلاً استناداً إلى بعض المؤشرات. لكن الحقيقة مختلفة تماماً؛ فالتحليل السياسي من أكثر المهن حساسيةً وتعقيداً، لأنه يتعامل مع وقائع تمس مصالح دول وأحزاب وشخصيات نافذة، وفي الدول العربية يقترب من مناطق يفضّل كثيرون أن تبقى بعيدة عن الضوء.

في بداياتي كنت منجذباً إلى هذه المهنة بشغفٍ كبير بحكم اختصاصي في مجال العلوم السياسية، وكنت أتعامل معها بوصفها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مساحةً للتعبير أو الظهور الإعلامي. فالمحلل السياسي الحقيقي لا يكتفي بمتابعة الأخبار، بل يسعى إلى قراءة ما وراء الخبر، وفهم الدوافع والنتائج والاحتمالات، محاولاً تقديم صورة أقرب إلى الواقع من تلك التي يراد للناس أن يروها.

غير أن المشكلة تبدأ عندما يصطدم التحليل بالبيئات السياسية غير الناضجة أو الدول التي لم تترسخ فيها ثقافة النقد وقبول الرأي الآخر. وكذلك وجود اشخاص في اي مجال سياسي يغيضهم رؤية تفوق اي شخص ربما يزاحمهم او يغطي عليهم ،ففي مثل هذه الأجواء، لا يُنظر إلى العمل السياسي او التحليل بوصفه محاولة لفهم الواقع، بل يُفسَّر أحياناً على أنه استهداف شخصي أو مساس بمكانة مسؤول أو حزب أو جهة نافذة. وحينها تصبح الحقيقة نفسها موضع اتهام، ويُعامل من يتحدث عنها وكأنه ارتكب جرماً لا يُغتفر.وتبدئ معركة التجاهل لذلك الشخص عند توزيع الغنائم والمصالح وحجب الامتيازات ..

ومن هنا تبدأ رحلة التهم الجاهزة التي تُلقى في وجه كل من يحاول أن يقول ما لا يرغب البعض في سماعه. فتارةً يُتهم بأنه عميل، وأخرى بأنه تابع لسفارة أجنبية، وثالثة بأنه ينتمي إلى جهة سياسية معادية. أما إذا نفدت التهم التقليدية، فإن الخيال السياسي المحلي قادر على إنتاج عشرات التهم الجديدة خلال ساعات قليلة.لذلك ترى اسباب فشل المسؤول والحزب السياسي حاضرة دائما ،

والمفارقة المؤلمة أن هذه المهنة، على ما تنطوي عليه من مخاطر ومسؤوليات، لا توفر في الغالب حياةً مادية مستقرة لأصحابها. فالكثير من المحللين المستقلين يقضون سنوات طويلة في القراءة والبحث والمتابعة وكتابة المقالات وإعداد الدراسات، ثم يجدون أنفسهم في نهاية المطاف بعيدين عن أي مردود مادي يتناسب مع حجم الجهد المبذول. ولذلك فإن التحليل السياسي المستقل غالباً ما يكون عملاً يقوم على القناعة أكثر مما يقوم على المنفعة.

أما الأخطر من ذلك فهو أن الخطأ في هذه المهنة قد تكون كلفته باهظة. فالمحلل لا يعمل في مختبر مغلق، بل في ساحة مليئة بالصراعات والتقاطعات والمصالح. وقد يؤدي سوء فهم عبارة، أو خطأ غير مقصود في معلومة، أو قراءة لم ترق لأصحاب النفوذ، إلى حملات تشهير أو تهديد أو استهداف بأشكال مختلفة. ولهذا يعيش كثير من العاملين في هذا المجال تحت ضغط دائم، وهم يدركون أن الكلمة التي يكتبونها اليوم قد تفتح عليهم أبواباً لم يكونوا يتوقعونها غداً.

وفي المقابل، يبدو الطريق أكثر سهولة لمن يختار الاصطفاف الكامل خلف حزب أو شخصية أو جهة نافذة. فالمطبلون لا يواجهون عناء البحث عن الحقيقة، لأن مهمتهم لا تتجاوز تبرير الأخطاء وتجميل الإخفاقات وتسويق الروايات الجاهزة. وهؤلاء غالباً ما يحظون بالدعم والقبول والحماية، وهم لايحظون بالمناصب لان المناصب في واقعنا غالبا ماتكون محجوزه للاقارب والمعارف ،اما المطبلون فهم لا يزعجون أحداً ولا يطرحون أسئلة محرجة.

لهذا يمكن القول إن مهنة التحليل السياسي في العراق ليست مهنة الباحثين عن الثروة أو الراحة أو الشهرة السهلة، بل هي مهنة من يؤمنون بأن للكلمة قيمة، وللحقيقة مكانة، وللوعي دوراً في بناء المجتمعات. وهي، رغم كل ما فيها من متاعب ومخاطر، تبقى ضرورة لا غنى عنها لأي مجتمع يريد أن يفهم واقعه ويصحح مساره.

ففي زمن الضجيج والدعاية، يصبح التحليل السياسي المستقل واحداً من آخر الحصون التي تدافع عن حق الناس في المعرفة، حتى وإن كان ثمن ذلك باهظاً، وحتى وإن بقي أصحابه في كثير من الأحيان بين مطرقة السلطة وسندان الاتهامات والفقر المادي ، يحملون أقلامهم بصمت، ويواصلون البحث عن الحقيقة وسط عاصفة المصالح المتشابكة.حينما ينفرد بعض السياسيين الجهله من اصحاب المصالح الخاصة بالمال والسلطه بينما يبقى البعض من المحلليين والكتاب يتملقون هذا ويقفزون الى الاخر ..

NameE-MailNachricht