جواد التونسي
بين الحين والآخر يطرح المواطنون فكرة تبدو جذابة للوهلة الأولى، وهي أن تقوم الحكومة بطباعة عملة جديدة وإلغاء العملة القديمة خلال مدة قصيرة، وإلزام الجميع باستبدال ما لديهم من أموال، فبهذه الطريقة سيضطر كل من خبأ الأموال تحت السرير، أو دفنها في الأرض، أو أخفاها في أكوام التبن، أو وضعها لدى الأقارب، أو جمعها بطرق غير مشروعة، إلى إخراجها وكشف مصدرها، مما يساعد الدولة على استعادة التريليونات والمليارات المسروقة، الفكرة ليست جديدة، فقد لجأت بعض الدول إلى تغيير عملتها أو سحب فئات نقدية معينة لمحاربة التهرب الضريبي والاقتصاد الموازي وتجارة المخدرات وغسيل الأموال، لكن النتائج كانت متباينة، فبعض الحكومات نجحت جزئياً في كشف الأموال المخفية، بينما واجهت أزمات اقتصادية حادة وأثرت بشكل مباشر على المواطنين البسطاء، إن تبديل العملة قد يحقق بعض الفوائد، منها حصر الكتلة النقدية الموجودة خارج النظام المصرفي، وكشف جزء من الأموال غير المشروعة، ودفع المواطنين إلى إيداع أموالهم في المصارف، كما يمكن أن يساعد الدولة في بناء قاعدة بيانات مالية أكثر دقة،إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة، فالفاسدون وأصحاب الأموال الضخمة غالباً ما يجدون طرقاً للالتفاف على الإجراءات، كتحويل الأموال إلى عقارات أو ذهب أو عملات أجنبية أو تهريبها خارج البلاد قبل تنفيذ القرار، وفي المقابل، قد يتضرر المواطن البسيط الذي يحتفظ بمدخراته في منزله بسبب عدم ثقته بالمصارف أو بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية، كما أن غلق الحدود وتعطيل الحركة الاقتصادية لفترة معينة قد يسبب ارتباكاً في الأسواق، ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار ونقص السيولة، ما لم تكن هناك خطة مدروسة وإجراءات دقيقة تراعي مصالح الناس، إن استعادة الأموال المنهوبة لا تعتمد فقط على تغيير العملة، بل تحتاج قبل كل شيء إلى قضاء قوي، وأجهزة رقابية نزيهة، وملاحقة حقيقية للفاسدين، وتفعيل قوانين "من أين لك هذا"، وتجفيف منابع الفساد وغسيل الأموال، وإرادة سياسية لا تستثني أحداً مهما كان نفوذ، إن طباعة عملة جديدة قد تكون أداة من أدوات الإصلاح الاقتصادي إذا نُفذت بحكمة وشفافية، لكنها ليست العصا السحرية التي ستعيد كل الأموال المسروقة، فالأموال المنهوبة لا تسترد بالأوراق النقدية الجديدة وحدها، بل تسترد بدولة قوية لا يخشى فيها الفاسد من القانون، ولا يضيع فيها حق الشعب بين دهاليز الفساد والمحاصصة والنفوذ، فحين يسود العدل وتُفعّل المحاسبة، ستعود الأموال إلى أصحابها الحقيقيين" أبناء الشعب العراقي ".
