كرنكو النجف
الكاتب والباحث صفاء الباسم /واسط
حين تُذكر النجف الأشرف، فإنما تُذكر معها قاماتٌ علمية لم يكن أثرها في كثرة المؤلفات وحدها، بل فيما تركته من حضورٍ في حياة العلم وأهله، وفي خدمة المعرفة والباحثين، ومن بين تلك الشخصيات التي بقي اسمها حاضرًا في ذاكرة النجف العلمية الشيخ عبد العزيز بن عبد الصاحب بن عباس بن حسين بن علي الغريباوي (1318هـ/1900م – 1397هـ/1977م)، العالم المتتبع، والباحث العارف، وعاشق الكتاب الذي اقترن اسمه بالمخطوطات والمطبوعات حتى عُرف بين أهل العلم بلقب «كرنكو».
لم تأتِ هذه المكانة من فراغ، فقد نشأ العلامة الشيخ عبد العزيز في بيتٍ له جذورٌ علمية واجتماعية عريقة، فعشيرة آل غريب هي من العشائر التي عُرفت بالفضل والمكانة، وقد ارتبطت هذه الأسرة بالنجف الأشرف منذ أجيال؛ إذ قدم جد الشيخ عبد العزيز، الشيخ علي الغريباوي من قضاء الحي بمحافظة واسط إلى النجف الأشرف، وسكن هذه المدينة المقدسة لطلب العلوم الحوزوية، فجمع بين شرف التتلمذ على علمائها وخدمة أهلها ومجتمعها.
ومن الروايات العائلية التي نقلها إليَّ الشيخ علي بن الشيخ عبد العزيز الغريباوي عن جده الشيخ علي الغريباوي، أن الشيخ علي كان عالمًا ورجل دين، ولم يكن دوره مقتصرًا على طلب العلم، بل كان صاحب مضيفٍ يستقبل فيه إخوته وأعمامه وأبناء عشيرته الوافدين إلى النجف الأشرف، فيرشدهم إلى تعاليم الإسلام، ويتولى شؤونهم الدينية والاجتماعية.
وأضاف أن الشيخ علي الغريباوي كان يُشرف على شؤون غسل الأموات وتكفينهم ودفنهم من الناحية الشرعية، بوصفها خدمةً جليلةً ذات مكانةٍ رفيعة في المجتمع النجفي، بينما كان يتولى أعمال الغسل والتكفين عمّالٌ مختصون بذلك؛ ونظرًا لانشغاله بواجباته الحوزوية من بحثٍ وتدريسٍ وطلبٍ للعلم، أُوكلت أعمال الوكالة الميدانية في وادي السلام إلى رجالٍ من عشيرة كعب الكريمة، وتوارثت هذه الأسرة تلك المهمة جيلًا بعد جيل، ومن أبرز من عُرف بها الشيخ صاحب فيروز رحمه الله، والد الشيخين هادي وفاضل.
وفي هذا البيت العلمي نشأ الشيخ عبد العزيز، وكان والده الشيخ عبد الصاحب الغريباوي عالمًا وأديبًا وشاعرًا، وقد ذكر الدكتور محمد هادي الأميني في كتابه «معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام» أن الشيخ عبد الصاحب كان من أهل العلم والفضل والأدب والورع والتقوى، درس في النجف الأشرف، وسار في ركب الشعراء وجالسهم وخالطهم، ونظم الشعر بالفصحى والدارجة، وكان شعره قويًا ورصينًا يدل على تفوقه ونبوغه، حتى توفي سنة 1345هـ، وخلف من بعده نجله العلامة الشيخ عبد العزيز.
ولد الشيخ عبد العزيز في النجف الأشرف سنة 1318هـ، ونشأ في أجواء العلم والأدب، فتلقى علومه الأولى، وقرأ المقدمات الأدبية والشرعية على الشيخ عبد الكريم الشرقي، ودرس السطوح الفقهية والأصولية على السيد عبد الكريم علي خان، ثم حضر الأبحاث العالية عند كبار أعلام الحوزة العلمية، ومنهم الشيخ حسين الحلي، والسيد محسن الحكيم، والسيد أبو القاسم الخوئي.
غير أن شخصية الشيخ عبد العزيز لم تتشكل من الدرس الحوزوي وحده؛ فقد كان له طريق آخر في بناء المعرفة، هو طريق المطالعة المستمرة، وملازمة الكتاب، والتتبع الدقيق للمصادر؛ فصار الكتاب رفيقه الدائم، حتى امتلك خبرة واسعة في الأدب والتاريخ والمخطوطات والمطبوعات، وأصبح مقصدًا للباحثين والمحققين.
وقد ترجم له الشيخ كاظم عبود الفتلاوي في كتابه «مشاهير المدفونين في الصحن العلوي الشريف» (ص177، الترجمة رقم 224)، فذكر أنه عالم جليل، واسع الاطلاع، قارئ نهم، له معرفة كبيرة بالأدب والتاريخ، وخبرة بالمخطوطات والمطبوعات، حتى أصبح حجة يُرجع إليه في هذا المجال. كما أشار إلى أن كثيرًا من الباحثين والمحققين أفادوا من معلوماته الغزيرة، ومن مكتبته النفيسة التي كانت تضم عددًا من المصادر المهمة، وقد بيعت بعد وفاته.
أما السيد أحمد الحسيني الإشكوري في كتابه «تراجم الرجال»، فقد نقل جانبًا آخر من شخصية الشيخ عبد العزيز، فلم يكتفِ بالحديث عن علمه، بل وصف أخلاقه وسيرته الاجتماعية، فذكر أنه كان طيب الأخلاق، لطيف المعشر، كثير المزاح والتبسط، يألفه جليسه وينشرح له من يعاشره، وفيًا لأصدقائه، خالص الود، بعيدًا عن النفاق والمجاملة التي تُطلب للمصالح الخاصة.
وكان حب الكتاب عند الشيخ عبد العزيز حالةً خاصة؛ فلم يكن يجمع الكتب لمجرد الاقتناء، بل كان يعيش معها، ويتتبع ما يستجد من طبعاتها، ويقارن بين النسخ، ويدقق في الفروق بينها، حتى أصبح صاحب خبرة دقيقة في قيمة الكتب وطبعاتها؛ وربما اشترى الكتاب الواحد بأكثر من طبعة، ثم قابل بينها، واختار ما يراه أجود وأدق،
ومن هنا أطلق عليه بعض أصحابه لقب «كرنكو»، تشبيهًا له بالمستشرق الألماني المعروف في عالم الكتب والنشر، ولم يكن هذا اللقب إلا تعبيرًا عن خبرته الفريدة في عالم المطبوعات، حتى أصبح اسم «كرنكو النجف» مرتبطًا في الأذهان برجلٍ يعرف الكتب كما يعرف أسرارها وطبعاتها.
وقد أكد الدكتور محمد هادي الأميني هذه الصفة في كتابه «معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام»، إذ وصف الشيخ عبد العزيز بأنه من العلماء المتتبعين، ومن ذوي الخبرة الوافية بالمخطوطات والمطبوعات، وذكر أن لديه خزانة كتب قيمة في الغرفة التي كان يسكنها في مدرسة الفاضل الشربياني قرب داره، كما نقل شهادة شخصية عنه، إذ كانت له معه جلسات وأحاديث ومسامرات، عرفه خلالها مثالًا للاحتياط والورع والتواضع والكرم.
وكان الشيخ عبد العزيز لا يحتفظ بعلمه لنفسه، بل كان يفتح مكتبته للباحثين، ويساعد المحققين، ويقدم ما لديه من مصادر ومعلومات بسعة صدر وأريحية، وكان يقضي معظم أوقاته في حجرته الصغيرة بمدرسة الشربياني، منكبًا على القراءة والمطالعة، حتى غدت تلك الحجرة مقصدًا لكل من يبحث عن مصدر، أو نص، أو معلومة تاريخية.
وفي الثاني والعشرين من شهر محرم سنة 1397هـ الموافق لسنة 1977م، رحل الشيخ عبد العزيز الغريباوي بعد عمر ناهز السبعين عامًا، بعد حياة قضاها بين العلم والكتاب وخدمة المعرفة، وكان من تمام شرفه أن دُفن في الصحن الحيدري الشريف، عند مرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، في الحجرة رقم (4)، لينال شرف الجوار في الصحن العلوي الشريف، وهو شرفٌ كان ولا يزال أمنيةً لكثير من العلماء والصالحين.
وخلف الشيخ عبد العزيز الغريباوي أبناءً كرامًا، هم المرحوم محمد حسن، الذي عُرف في الوسط الرياضي لاعبًا في نادي النجف، والمرحوم الشيخ عباس، والشيخ علي، وعبد الصاحب، وبقي اسم الأسرة حاضرًا في ذاكرة النجف العلمية والاجتماعية.
إن الشيخ عبد العزيز الغريباوي لم يكن مجرد رجلٍ أحب الكتب، بل كان جزءًا من تاريخ الكتاب في النجف، وذاكرةً حيةً لمصادرها، ودليلًا للباحثين في خزائنها؛ وربما لم يترك مؤلفات كثيرة تحمل اسمه، لكنه ترك أثرًا لا يقل قيمة عن التأليف؛ ترك معرفةً نقلها، ومصادر دلّ عليها، وباحثين أعانهم، وسيرةً بقيت شاهدة على رجل عاش للعلم، ورحل والكتاب أنيسه ورفيقه،
ولهذا بقي «كرنكو النجف» اسمًا يختصر سيرة عالمٍ جعل من المعرفة رسالة، ومن الكتاب حياة، ومن خدمة الباحثين أثرًا خالدًا في تاريخ النجف الأشرف.
الكاتب والباحث صفاء الباسم /واسط
المصادر
____________
١_ الشيخ كاظم عبود الفتلاوي، مشاهير المدفونين في الصحن العلوي الشريف، ص 177، الترجمة رقم (224).
٢_السيد أحمد الحسيني الاشكوري، تراجم الرجال.
٣_الدكتور محمد هادي الأميني، معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام.
٤_رواية شفوية نقلها الشيخ علي بن الشيخ عبد العزيز الغريباوي، عن تاريخ أسرته وجدّه الشيخ علي.
