جواد التونسي
كلما أعلنت الجهات الرقابية عن العثور على ملايين أو مليارات الدنانير والدولارات في بيوت بعض الفاسدين، يتساءل المواطن العراقي بحسرة، هل هذه هي كل الأموال التي نُهبت من خزينة العراق؟ وهل يعقل أن تكون هذه المبالغ المكتشفة سوى قطرة في بحر الفساد العظيم؟ الحقيقة التي يدركها الجميع أن الفساد لم يعد مجرد حقائب مليئة بالنقود مخبأة تحت الأسرة أو داخل الخزائن الحديدية، بل تحول إلى شبكة معقدة من الاستثمارات والأموال المغسولة التي تبحث عن واجهات براقة ومشاريع تبدو في ظاهرها شرعية، بينما تخفي في باطنها أموالاً مجهولة المصدر، وفيما يتعلق بالبلوغرات والفاشنستات، حيث ان بعض المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي يحققون دخلاً مشروعاً من الإعلانات والتسويق، لكن في بعض الدول استُخدمت حسابات بعض المشاهير وأصحاب الشهرة الإلكترونية كواجهات لإخفاء أموال غير مشروعة أو تبرير ثروات ضخمة، وهو ما دفع السلطات في عدة دول إلى التدقيق في مصادر الأموال والإقرارات الضريبية، اما قطاع مراكز المساج والمنتجعات وصالونات الحلاقة والتجميل يضم آلاف المشاريع القانونية التي تقدم خدمات مشروعة، لكن تقارير دولية أشارت إلى أن بعض المنشآت التجارية في قطاعات الخدمات قد تُستغل أحياناً في عمليات غسل الأموال بسبب كثرة التعاملات النقدية وصعوبة تتبع مصدر بعض الإيرادات، معظم صالونات التجميل تعمل بصورة قانونية وتوفر فرص عمل مهمة، إلا أن بعض الجهات الرقابية حول العالم تنظر إلى الأنشطة ذات التدفقات النقدية الكبيرة باعتبارها قطاعات قد تكون عرضة للاستغلال في إخفاء الأموال غير المشروعة إذا غابت الرقابة المالية والضريبي، لقد أصبح العراقي البسيط يتساءل بدهشة، كيف ظهرت خلال سنوات قليلة مظاهر ثراء فاحش لا تتناسب مع طبيعة الاقتصاد العراقي؟ وكيف تحولت بعض الأنشطة التجارية والترفيهية إلى إمبراطوريات مالية ضخمة خلال فترة زمنية قصيرة؟ هذه الأسئلة لا تعني توجيه الاتهام إلى أي فئة أو مهنة بعينها، فهناك آلاف العاملين الشرفاء في مختلف القطاعات، لكن من حق الشعب أن يطالب بمعرفة مصادر الأموال غير المشروعة أينما وُجدت، إن الفاسد لا يترك أمواله في حقيبة سوداء إلى الأبد، بل يبحث عن طرق لإخفائها وتدويرها وتحويلها إلى استثمارات وأعمال تبدو قانونية ، والمواطن العراقي، الذي ما زال يعاني من انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وتردي الخدمات، يشعر بالمرارة عندما يرى بعض الأشخاص يتحولون بين ليلة وضحاها إلى أصحاب قصور وأساطيل من السيارات الفارهة ومشاريع بملايين الدولارات، بينما يقف المتقاعد في طابور الصيدلية بحثاً عن دوائه، ويبحث الموظف عن قرض ليسدد إيجار منزله، ومن حق العراقيين أن يطالبوا بالشفافية الكاملة، من أين جاءت هذه الثروات؟ وكيف تضخمت بعض الأموال بهذه السرعة؟ وهل تتناسب مع الدخل الحقيقي لأصحابها؟ فالدولة التي تريد محاربة الفساد فعلاً لا تنظر فقط إلى الأموال المضبوطة، بل تتبع مسار المال منذ لحظة خروجه من الخزينة وحتى آخر محطة وصل إليها، لقد اكتشف العراقيون أن الفاسد لم يعد يدفن أمواله تحت شجرة أو يخفيها داخل جدار، بل ربما ألبسها بدلة أنيقة، ووضعها في مشروع لامع، ومنحها اسماً تجارياً جذاباً، ثم خرج ليحدث الناس عن النجاح والاستثمار والعبقرية الاقتصادي، أما المواطن البسيط، فما زال يبحث عن راتب يكفي آخر الشهر، بينما بعض اللصوص حولوا المال العام إلى قصور وحدائق وسيارات ومظاهر بذخ لا تنتهي، إن استرداد الأموال المنهوبة ليس مجرد عملية مالية، بل هو استرداد لكرامة شعب، وإعادة لحقوق أمة دفعت ثمن الفساد من أمنها وخدماتها ومستقبل أبنائها، وعندما تصل يد العدالة إلى كل دينار مسروق، سيدرك الفاسدون أن أموال الشعب ليست غنيمة، وأن العراق ليس مزرعة خاصة لأحد.
