د. جواد التونسي
العَلَمُ العراقي ليس قطعة قماش تُرفع فوق بناية، ولا ألواناً تتوسطها عبارة، ولا شعاراً يُحمل في المناسبات ثم يُطوى بعد انتهائها، إنه ذاكرة وطن، وهيبة دولة، وعنوان سيادة، ورمز لوحدة أرضٍ وشعبٍ وتاريخ، حين يرتفع العلم العراقي عالياً في سماء الوطن، فإن المشهد لا ينبغي أن يُقرأ بالعين وحدها، بل بالقلب والضمير، فهناك، فوق السارية، ترتفع حكاية العراق بكل ما فيها من أمجاد وانتصارات وانكسارات وتضحيات، وترتفع معها أسماء أجيال عاشت وماتت وهي تؤمن بأن العراق أكبر من الخلافات، وأبقى من الأزمات، وأقوى من محاولات التفريق، ولذلك يليق بنا أن نستحضر البيت الشعري الخالد"عِشْ هكذا في عُلُوٍّ أيُّها العَلَمُ.....فإننا بكَ بعدَ اللهِ نعتصم " إنها ليست مجرد أبيات جميلة تُقال في احتفال، بل تختصر معنى عميقاً، أن العلم عندما يكون علم الوطن، يصبح عنواناً للانتماء، ورايةً تجمع العراقيين تحت هوية واحدة، مهما اختلفت آراؤهم ومذاهبهم ومناطقهم وتوجهاته، فالعراق لا يُختصر بمدينة، ولا بمحافظة، ولا بطائفة، ولا بقومية، ولا بحزب أو تيار أو شخصية سياسية، العراق وطن واحد، والعلم العراقي هو الراية التي يفترض أن تتقدم الجميع، فلا راية تعلو على راية الوطن، ولا انتماء ينبغي أن تقدم على الانتماء للعراق ، والعلم هيبة الدولة وهيبة العلم من هيبة الدولة ، وعندما يقف المواطن احتراماً للعلم، فإنه في الحقيقة يقف احتراماً للعراق، وعندما يرفرف العلم فوق المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية والساحات العامة، فإنه يعلن أن هنا دولة، وهنا وطن، وهنا أرض لها سيادة وشعب له تاريخ، الدولة التي تحترم علمها تحترم رموزها، والدولة التي تحمي رموزها تحمي هويته ، ولذلك يجب ألا يكون العلم العراقي مجرد حضور بروتوكولي في المناسبات الرسمية، بل ينبغي أن يكون حاضراً في الحياة اليومية للعراقيين، في المدرسة والجامعة والجيش والشرطة والمؤسسات، وفي كل مكان يمثل الدولة العراقية، فالطفل الذي يتعلم منذ صغره احترام العلم، يتعلم في الوقت نفسه احترام وطن، والجندي الذي يقف أمام العلم، لا يقف أمام قطعة قماش، بل أمام الأرض التي أقسم على حمايته ،والموظف الذي يرى العلم فوق مؤسسته، يجب أن يتذكر أن هذه المؤسسة ليست ملكاً لحزب أو مسؤول، وإنما هي جزء من دولة اسمها العراق ، وفي الختام، يبقى العلم العراقي خطاً أحمر لا يحق للمتاجرين بالوطنية والعملاء وتجار السياسة أن يقتربوا منه، فهذا العلم ليس قطعة قماش يرفعها من يشاء وينزلها متى شاء، ولا شعاراً يُستعمل لخدمة أجندة خارجية أو مصالح حزبية ضيقة، إنه راية وطنٍ دفع أبناؤه الدماء ثمناً لوحدته وسيادته، ومن يضع ولاءه لجهة خارج الحدود فوق ولائه للعراق، فقد اختار موقعه بنفسه، مهما حاول أن يتستر خلف الشعارات الوطنية، فالعراقي الحقيقي لا يبيع راية وطنه، ولا يرهن قرار بلده، ولا يسمح بأن تتحول أرض العراق إلى ساحة لمشاريع الآخرين، ستبقى الراية العراقية مرفوعة، وسيبقى العراق أكبر من العملاء والمتاجرين به، فالرايات التي تُرفع بأموال الخارج تسقط عندما ينتهي ممولوها، أما راية العراق فتبقى لأنها مرفوعة في قلوب شعب لا يموت، أيها العلم العراقي ، ارتفع عالياً، ودَعْ من باعوا الوطن يعرفون أن العراق ليس للبيع، والسيادة ليست للمساومة، والراية لا ينكسها إلا من فقد شرف الانتماء.
