JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
الصفحة الرئيسية

..حين ينتهي المنصب… وتبدأ المحاكمة


 ..بقلم الكاتب الناقد السياسي 

حسن درباش العامري....


﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾

هناك لحظة في حياة كل إنسان، مهما علا منصبه، ومهما زاد عدد سيارات موكبة و كثرت حوله الحراسات والأتباع والمصفقون، ومهما امتلك من القدرة على إصدار الأوامر وإغلاق الأبواب وفتحها، لن يستطيع فيها أن يقول: أجّلوا محاسبتي إلى الغد.

إنها اللحظة التي ينتهي فيها كل شيء… ويسقط اللقب، وينتهي النفوذ، ويغادر الإنسان كرسيه ويترك مال سرقة او ماله ، ولا يبقى معه إلا ما قدمت يداه.

هناك، لا تنفعه صلاته إن كانت ستاراً على ظلمه، ولا صيامه إن كان قد أكل حقوق الناس، ولا قيامه الليل إن كان قد نام مطمئناً بعدما أوجع بيوتاً وأهلك عائلات، ولا كثرة خدماته إن كان قد جعل المال العام مائدة خاصة له ولأهله.

فالمسألة ليست: كم خدمت الناس؟

بل أيضاً: هل ظلمت أحداً وأنت تخدمهم؟

وهنا تكمن واحدة من أخطر المسائل التي قد يغفل عنها المسؤول، بل وقد يغفل عنها القاضي والعالم والموظف وكل من أُعطي أمانة على الناس.

قد يكون المسؤول ناجحاً في عمله، يسهر الليل، ويواصل النهار، ويقضي حاجات الناس، ويتعب من أجل المجتمع، ويكون في نظر الناس من أكثر المسؤولين خدمةً وإنجازاً.

لكن ماذا لو كان في الوقت نفسه يمد يده إلى المال العام ليغطي بعض احتياجات عائلته؟

قد يقول: أنا لا أسرق، أنا أستحق، أنا أعمل أكثر من غيري، وأنا أقدم للناس ما لم يقدمه غيري.قال امير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه هذه المقولة الشهيرة حين تسلم الخلافة: «أتيتكم بجلبابي هذا وثوبي هذا، فإن خرجتُ بغيرهما فأنا خائن»، أو «يا أهل الكوفة إذا أنا خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي وغلامي فأنا خائن». 

ولان المال العام ليس ملكاً لاحد كي يعوض نفسه منه كما يشاء.

الأمانة لا تتجزأ.

ومن اؤتمن على مال الناس لا يصبح المال حلالاً له لأنه رجل صالح او رجل دين معمم او غير معمم او رجل سياسة، ولا لأن خدماته كثيرة، ولا لأنه يصلي، ولا لأنه يقوم الليل.

بل ربما كان الخطر أعظم؛ لأن من يعرف الحق ثم يتجاوزه ليس كمن يجهله.

والأخطر من ذلك أن يتحول المنصب إلى جدار يحمي صاحبه من أعين الناس.

فيغلق طريقاً عاماً كي يكون الطريق إلى بيته وحده.

ويمنع الناس من الاقتراب من حياته الخاصة.

وقد يكون من حق الإنسان أن يحمي خصوصيته، لكن ليس من حقه أن يغتنم خصوصيته من مال الناس وحقوقهم ومرافقهم العامة.

فالطريق الذي أنشئ من أموال الدولة ليس طريقاً عائلياً.

والمال الذي أُودع في خزينة الدولة ليس محفظة شخصية.

والمنصب الذي مُنح لخدمة الناس ليس ملكية خاصة.

وهنا أعود إلى السؤال الذي قد يبدو قاسياً، لكنه في الحقيقة سؤال لكل واحد منا:

هل يكفي أن تكون كثير الصلاة حتى تكون من أهل الجنة؟

وهل يستطيع الإنسان أن يعوض مظلمةً ارتكبها في حق الناس بكثرة النوافل؟

وهل يمكن أن يضع في كفة حسناته قيام الليل وخدمة الناس، ثم يضع في الكفة الأخرى حقوقاً اغتصبها من عباد الله، ويقول: إن حسناتي أكثر؟

الله وحده يحكم على العباد، ولا يجوز لنا أن نجزم لمعين بجنة أو نار بغير دليل.

لكننا نستطيع أن نتحدث عن المبدأ.

والقرآن واضح في أن الظلم ليس أمراً صغيراً، وأن أكل أموال الناس بالباطل ليس شيئاً تمحوه صورة المسؤول الصالح أو خطابه الديني.

ثم نصل إلى الصورة الأكثر خطورة.

القاضي.وقيل من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين ..انها المهنة الاخطر ...

القاضي ليس موظفاً عادياً.

القاضي يجلس في المكان الذي يفترض أن يتجرد فيه الإنسان من خوفه ورغباته ومصالحه وعلاقاته.

لكن ماذا يحدث عندما يقف أمامه رجل مذنب، صاحب قوة ونفوذ، فيبحث القاضي عن مخرج له؟ اعفاء لصغر سنه ،او لكبر سنه ، او لانه لم يسبق له ان ادين بجرم ..وهكذا

قد لا يكون القاضي فاسداً بالمعنى التقليدي.

قد لا يأخذ رشوة.

وقد يكون في حياته الخاصة إنساناً صالحاً.

وقد لا يكون قد ظلم أحداً طوال حياته.

لكنه خاف.

أو تعرض لضغط.

أو خشِيَ صاحب نفوذ.

أو أراد أن يتجنب المشاكل.

فوجد للرجل القوي عذراً، أو استخدم ثغرةً، أو شدد في موضع لا يحتاج إلى التشديد، ثم جاءه شخص آخر أضعف منه، وربما كان جرمه أقل بكثير، فلم يجد من يتصل به، ولا من يضغط عليه، ولا من يهدده، فأنزل عليه أقصى ما يستطيع القانون.

هنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في الأحكام.

هنا يصبح السؤال:

أين ذهب العدل؟ 

إذا كان القوي يستطيع أن يجعل القانون ليناً، والضعيف لا يستطيع أن يجعل القانون رحيماً، فما الذي بقي من العدالة؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس أن يخطئ القاضي في حكم، وإنما أن يشعر الناس أن ميزان العدالة له كفتان؛ كفة للأقوياء وكفة للضعفاء.

عندها يموت احترام القانون قبل أن يموت القانون نفسه.

قد يقول أحدهم:

ولكن القاضي إنسان، وقد يخاف على نفسه.

نعم، هو إنسان.

والمسؤول إنسان.

والوزير إنسان.

والضابط إنسان.

والموظف إنسان.

لكن الإنسان الذي اختار موقعاً يحمل أمانة عامة يعرف قبل أن يجلس على كرسيه أن ذلك الكرسي ليس امتيازاً فقط، وإنما مسؤولية وحساب.

والقرآن يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.

لاحظوا التعبير:

﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.

لم يقل: احكموا بحسب قوة الخصم.

لم يقل: احكموا بحسب هاتف المسؤول.

لم يقل: احكموا بحسب الخوف.

ولم يقل: احكموا على الضعيف لأن لا أحد يقف خلفه.

العدل هو العدل، سواء كان أمامك فقير لا يملك إلا دعاءه، أو رجل تحيط به القوة والنفوذ.

والأشد إيلاماً أن الإنسان قد يظن أن ما يفعله اليوم سيموت معه.

لكن لا شيء يموت.

المال الذي أخذته سيبقى شاهداً.

الطريق الذي أغلقته سيبقى شاهداً.

المظلوم الذي بكته أمه سيبقى شاهداً.

الأسرة التي حرمتها من حقها ستبقى شاهدة.

والحكم الذي صدر خوفاً من قوي، على حساب ضعيف، سيبقى شاهداً.

المنزل الذي هدمته فوق رؤس الفقراء سيبقى شاهدا ،

وكل كلمة قلتها أمام الناس عن النزاهة والعدل قد تتحول يوم الحساب من شهادة لك إلى شهادة عليك إن كنت تخالفها في السر.

هناك لن يكون السؤال:

من كان رئيساً؟

ومن كان وزيراً؟

ومن كان قاضياً؟

ومن كان شيخاً؟

ومن كان صاحب نفوذ؟

ومن كان يملك المال؟

بل سيكون السؤال الأشد رعباً:

ماذا فعلت بما اؤتمنت عليه؟

إنها النهاية التي يهرب منها الإنسان طوال عمره.

المسؤول يهرب منها إلى منصب جديد.

والغني يهرب منها إلى مال أكثر.

والقاضي يهرب منها إلى ملف آخر.

والظالم يهرب منها إلى نفوذه.

لكن النهاية لا تهرب من أحد.

سيأتي اليوم الذي ينتهي فيه كل شيء.

تغلق أبواب المكتب.

تسكت الهواتف.

تنتهي الحماية.

يسقط الحرس.

يتفرق المقربون.

يعود الكرسي إلى غيرك.

وتبقى أنت… وحدك.

لا يستطيع أحد أن يقول لله: هذا الرجل خدم الناس كثيراً، فاعفُ عنه فيما ظلم.

فالخدمة لا تعطي رخصة للظلم.

ولا الصلاة تمنح الإنسان حق أكل أموال الناس.

ولا الصيام يسمح باغتصاب حقوقهم.

ولا الشهادة الدينية تعفي صاحبها من الأمانة.

وفي المقابل، لا ينبغي لنا أن نحكم على شخص بعينه بأنه من أهل النار؛ فالحكم النهائي لله وحده، وهو أعلم بالقلوب والظروف والتوبة والحقوق.

لكن علينا أن نخاف من المظالم.

فربما كان الإنسان منشغلاً بحساب حسناته، بينما هناك من ينتظر حقه منه.

وربما ظن أن طريقه إلى الجنة مفروش بكثرة عبادته، بينما يقف على ذلك الطريق أصحاب حقوق لم يؤدها.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس:

هل سأدخل الجنة أم النار؟

بل:

هل سأصل إلى يوم الحساب وليس في ذمتي حق لإنسان؟

هل أستطيع أن أقف أمام الله وأقول:

يا رب، أخذت هذا المال لأنه كان مالاً عاماً؟

يا رب، أغلقت هذا الطريق لأنه يخصني؟

يا رب، أنصفت هذا القوي وخذلت هذا الضعيف لأنني خفت منه؟

يا رب، خدمت آلاف الناس، لكنني ظلمت إنساناً واحداً لا يستطيع أن يصل إليّ؟

فماذا سيكون الجواب؟

أيها المسؤول…

قبل أن تنام الليلة، لا تنظر إلى عدد المشاريع التي افتتحتها فقط.

انظر إلى عدد الناس الذين ظلمتهم وأنت تفتتحها.انظر الى عدد الشباب الذين لهم الحق في بلدهم وينتظرون التعيين لبدأ حياتهم الجديده ، انظر الى البيوت التي هدمتها فوق رؤس اهلها دون ان تعطيهم بيوت غيرها مادمت انت المسؤول ،فأن استحللت لنفسك شراء ارض بدينار فلا تجعلها لغيرك بألف فلتكن للجميع بدينار ،

أيها القاضي…

قبل أن تغلق ملفاً، لا تنظر فقط إلى مواد القانون، بل انظر إلى الله الذي ستقف أمامه يوماً، واسأل نفسك: هل كنت عادلاً حين كان العدل مكلفاً؟

وأيها الموظف…

لا تقل: هذا مبلغ صغير.ولاتغير ايم الرشوة الى هدية فالله يسمع ويرى ،

فالذي يسرق ديناراً من الأمانة لا يصبح أميناً لأن غيره سرق ملياراً. بل لاتكتب بورقة من مكتبك لشأنك الخاص لانك ستسائل عنها ،

وأيها الإنسان الذي أغلق طريقاً عاماً ليكون له وحده…

اسأل نفسك:

إذا مررت غداً على الصراط، فهل سيكون هذا الطريق الذي حرمته عن الناس أقصر من الطريق إلى الله؟ تأكد بأن السراط سيكون امامك مغلق كما غلقت الشارع لنفسك ،

لا أحد منا يعرف كيف ستكون نهايته.

ولا أحد منا يملك صكاً بالجنة.

لكننا نستطيع أن نعمل اليوم كي لا نقف غداً أمام حقوق العباد ونحن عاجزون عن ردها.

فالمنصب ينتهي، والمال ينتهي، والقوة تنتهي، والجسد ينتهي… ويبقى العدل.

ويبقى ما بينك وبين الله.

ويبقى ما بينك وبين الناس.

ويبقى السؤال الذي لا يستطيع مسؤول ولا قاضٍ ولا غني ولا قوي أن يهرب منه:

لقد كنتَ أميناً على أمانةٍ حملتها، فماذا فعلت بها؟

وعندها فقط…

لن يكون مهماً كم مرة صعدت إلى كرسي المسؤولية، بل هل تستطيع أن تعبر من فوق الصراط دون أن تسقطك مظالم من تركتهم خلفك؟

لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟… حين ينتهي المنصب وتبدأ الحقيقة

هناك يومٌ لا يشبه كل الأيام، يومٌ تسقط فيه الألقاب، وتنتهي المناصب، وتتوقف الهواتف عن الرنين، ولا يعود للمال نفوذ، ولا للحرس قدرة على الحماية، ولا للأبواب المغلقة معنى، ولا يستطيع صاحب السلطة أن يأمر أحداً بأن يؤجل عنه الحساب.

يومها يقف الجميع عراةً من كل ما كانوا يتكئون عليه في الدنيا، ويأتي السؤال الذي يختصر حقيقة هذا الوجود كله:

﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾

[غافر: 16]

ذلك السؤال الذي لا يجيب عنه رئيس ولا وزير، ولا قاضٍ ولا مسؤول، ولا غني ولا صاحب نفوذ.ولا سارق المليارات ..

لله الواحد القهار.

فيا من جلست على كرسي المسؤولية، ويا من حملت أمانة الناس، ويا من أصبحت مفاتيح المال العام والقرار العام بين يديك، تذكر أن الكرسي الذي تجلس عليه اليوم سيجلس عليه غيرك غداً، وأن السلطة التي تظن أنها ملكك ليست إلا أمانة عابرة، وأن المال الذي بين يديك ليس مالك لمجرد أن قدرتك على التصرف فيه أصبحت واسعة.فلا تخص نفسك بالمال وترم غيرك من حقوقهم ،فتأكد بأن سلم راتب عادل للجميع خير من ملايين تستأثر بها لنفسك وخاصتك ،

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان أن يخلط بين الخدمة والأمانة.

قد يكون المسؤول خادماً للناس بالفعل، يسهر الليل ويواصل النهار، ويقضي حوائج المواطنين، ويبذل من وقته وجهده ما لا يبذله غيره، ويقيم الصلاة ويصوم ويكثر من العبادة.

لكن هل كل ذلك يعطيه الحق في أن يأخذ من المال العام ما يشاء لأنه يرى نفسه مستحقاً؟

لا.

فالمال العام أمانة، والمنصب أمانة، والقرار أمانة، والطريق العام أمانة، وحتى السلطة على مصالح الناس أمانة.

وقد يقول أحدهم: أنا لا أسرق، وإنما أخذت شيئاً يسيراً مقابل ما أقدمه من خدمة.

لكن من قال إن الأمانة تصبح حلالاً لأن صاحبها يخدم الناس؟

ومن قال إن كثرة الحسنات تمنح الإنسان رخصة في حقوق الآخرين؟

إن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾


الأمانة أولاً، والعدل ثانياً.

فإذا كان المسؤول يسهر لخدمة الناس، ثم يستبيح المال العام لحاجاته الخاصة، او ليختص نفسه بأمتيازات او مرتبات تحت تسميات لاضفاء الشرعية عليها فهو سيسائل عنها ، فلنراجع انفسنا في تفصيلات مايسمى رفحاء بمبلغها وشمول اشخاص غير المعني ولنراجع انفسنا كثيرا بما يسمى خدمة جهاديه او مخصصات برلماني او نثريه منصب ، 

هل قلت يوماً: هذه صغيرة؟

فالصغير في عين الإنسان قد يكون عظيماً في ميزان الله.

وقد قال تعالى:

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾

الاسمبريد إلكترونيرسالة