JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Startseite

يسهم… يسهم… يسهم… حتى ضاعت الحقيقة بين الكلمات....


 بقلم الكاتب الناقد السياسي 

حسن درباش العامري..

يسهم في خدمة العراق…

يسهم في رفع مستوى الخدمات…

يسهم في رفع المعاناة عن الفقير…

يسهم في توفير الخدمات…

يسهم في إنهاء أزمة الكهرباء…

يسهم في التقدم العلمي والمعرفي…

يسهم في القضاء على الفساد…

عباراتٌ كثيرة، جميلة في ظاهرها، براقة في صياغتها، لكنها استُهلكت إلى الحد الذي فقدت معه معناها. كلماتٌ تُقال في المؤتمرات، وتُكتب في البيانات، وتُكرر في التصريحات، ثم ينتهي كل شيء عند حدود الكلام، بينما يبقى المواطن واقفاً في الطابور، يحمل ملفه بيد، وهاتفه باليد الأخرى، وينظر إلى موظف يقول له: راجعنا غداً.

السؤال الذي أصبح من حق العراقي أن يطرحه بصراحة هو: متى تتحول هذه الكلمات إلى واقع؟

فالعراق لا يعاني اليوم من نقص في الشعارات، ولا من ندرة في الخطط والاستراتيجيات والبرامج والمشاريع التي يُقال إنها ستغير حياة الناس. العراق يعاني من شيء أكثر خطورة؛ يعاني من اتساع المسافة بين ما يُقال وما يحدث فعلاً.

قيل لنا إن الخدمات ستتطور، فإذا بالمواطن يقضي ساعات طويلة من أجل معاملة بسيطة. وقيل إن الحوكمة الإلكترونية ستختصر الوقت والجهد، فإذا ببعض المعاملات التي كانت تُنجز خلال ساعة تحتاج اليوم إلى أسابيع وربما أشهر، وبين الحجز الإلكتروني والانتظار والمراجعات وتعدد النوافذ والجهات، أصبح المواطن يشعر أن التكنولوجيا لم تُلغِ البيروقراطية، وإنما أعطتها شكلاً جديداً.

كان المواطن يدخل بعض الدوائر وينهي معاملته في يوم واحد، أما اليوم فقد يجد نفسه أمام رحلة طويلة تبدأ بحجز، ثم موعد، ثم انتظار، ثم نقص في وثيقة لم يكن يعلم بوجودها، ثم مراجعة دائرة أخرى، ثم عودة إلى الدائرة الأولى، ثم توقيع، ثم ختم، ثم موظف غير موجود، ثم موعد جديد.

وفي النهاية يصبح السؤال الأكثر قسوة: أين ذهبت كل تلك الوعود؟

حتى المعاملة التي يفترض أن تكون حقاً للمواطن تحولت في كثير من الأحيان إلى اختبار لقدرة المواطن على التحمل، وإلى استنزاف لوقته وماله وأعصابه. وما كان يُنجز مجاناً أصبح له ثمن مباشر أو غير مباشر، وما كان يحتاج إلى مراجعة واحدة أصبح يحتاج إلى سلسلة من المراجعات، وكأن المواطن أصبح مطالباً بأن يدفع من وقته وماله ثمن عجز الإدارة عن تنظيم نفسها.

خذ مثلاً معاملات العقار والطابو.

لماذا يحتاج المواطن إلى أسابيع أو أشهر لإنجاز إجراء يفترض أن يكون واضحاً ومحدداً؟ ولماذا يتحول انتقال الملكية أو تسجيل العقار أو الحصول على وثيقة إلى رحلة بين الدوائر والأقسام والموظفين؟

المشكلة ليست في أن المعاملة تحتاج إلى تدقيق؛ التدقيق حق للدولة وضرورة لحماية أموال الناس. المشكلة حين يتحول التدقيق إلى تعطيل، والإجراء إلى متاهة، والانتظار إلى قاعدة.

والمواطن هنا لا يطالب بمعجزة.

هو لا يريد أن تبني له الدائرة بيتاً، ولا أن تمنحه الدولة مالاً بلا مقابل. هو يريد فقط أن تؤدي المؤسسة التي يدفع من أجلها الضرائب والرسوم وظيفتها الطبيعية.

يريد أن يحصل على بطاقة السكن دون أن يعيش معها قصة طويلة.فهل يعقل ان تطول فترة نقل بطاقة سكن من منطقة إلى أخرى داخل المحافظة نفسها الى ايام طويله واشهر ،بعد ان كانت قبل عام واحد لم تستغرق ساعة واحدة او اقل ،اذا ما الذي يحصل لماذا تعمد الضغط ..والاذلال لماذا لاتبدي دوائر الدولة شئ من الاحترام للمواطن ؟؟

يريد أن يسجل عقاره دون أن يشعر أنه دخل في مفاوضات مع الزمن. 

يريد أن يحصل على وثيقته دون أن يبحث عن واسطة. فالحصول على اجازة سوق سيارة تتعقد لتكون كابوس حقيقي بينما تخرج الى باب الدائرة المروريه لتجد من يساومك للحصول عليها بمبلغ معين وبوقت قصير غير معقول

يريد أن يدخل المستشفى فيجد طبيباً يستمع إليه. لتجده متعالي بشكل مقرف بينما تجده في عيادته الخاصة يستقبلك بأبتسامته العريضه وكلمات التودد والترحيب ،وهنا الكيل بمكيالين سيحاسب عليها امام الله فيما قانون الارض يغفلها ،

يريد أن يراجع دائرة حكومية فيعامل كمواطن، لا كعبء إضافي على الموظف.

وهنا تتضح المشكلة الحقيقية: الخدمات ليست مشاريع إسمنت وحديد فقط.

الخدمة الحقيقية هي أن تحترم وقت المواطن.

أن تحترم كرامته.

أن تمنحه المعلومة الصحيحة.

أن تمنع ابتزازه.

أن لا تجعله مضطراً للبحث عن شخص يعرف شخصاً داخل الدائرة حتى تتحرك معاملته.

أن تجعل القانون هو الوسيلة الوحيدة لإنجاز حاجته.

أما أن تبني بناية حكومية ضخمة، وتضع فيها عشرات الموظفين، وتشتري أجهزة حديثة، ثم يبقى المواطن ينتظر أسابيع لإنجاز معاملة بسيطة، فهذه ليست حوكمة إلكترونية، وإنما بيروقراطية بواجهة إلكترونية.

والأخطر من ذلك أن المواطن بدأ يفقد ثقته بفكرة الإصلاح نفسها.

كلما سمع عبارة "مشروع جديد"، يسأل: كم سيكلف؟

وكلما سمع "نظام إلكتروني"، يسأل: كم يوماً سأحتاج لإنجاز معاملتي؟

وكلما سمع "القضاء على الفساد"، يتساءل: هل ستتغير فعلاً طريقة إنجاز معاملتي؟

وكلما سمع "رفع مستوى الخدمات"، ينظر إلى الكهرباء والماء والطرق والمستشفيات والدوائر ويسأل: أين هو هذا الرفع الذي يتحدثون عنه؟

لقد أصبح المواطن العراقي لا يحتاج إلى تقارير التنمية حتى يعرف إن كان بلده يتقدم أم يتراجع.

يكفي أن يحاول إنجاز معاملة.

يكفي أن يقف أمام دائرة حكومية.

يكفي أن يحاول الحصول على خدمة أساسية.

هناك، في تلك التفاصيل الصغيرة، تظهر حقيقة الدولة أكثر من أي مؤتمر وأي خطاب.

الدولة القوية ليست التي تقول إنها قوية، وإنما التي تجعل حياة مواطنيها أسهل.

والدولة الناجحة ليست التي تكثر فيها الشعارات عن مكافحة الفساد، وإنما التي تجعل المواطن عاجزاً عن دفع الرشوة لأنه لا يحتاج إليها أصلاً.

والدولة المتقدمة ليست التي تتحدث عن التحول الرقمي، وإنما التي يستطيع فيها المواطن أن ينجز معاملته من منزله دون أن يتحول الهاتف إلى باب جديد من أبواب الانتظار.

أما أن تتحول كل خطوة إلى "راجعنا"، وكل مراجعة إلى "انتظر"، وكل انتظار إلى "ادفع"، وكل دفع إلى واسطة، فمعنى ذلك أننا لم نحل المشكلة، وإنما أعدنا إنتاجها بطريقة أكثر تعقيداً.

لقد تعب العراقي من كلمة "سيسهم".

يريد أن يرى.

يريد كهرباء لا وعوداً بالكهرباء.

يريد مستشفى لا مؤتمراً عن تطوير الصحة.

يريد مدرسة صالحة لا خطة عن تطوير التعليم.

يريد شارعاً آمناً لا مشروعاً معلناً لتحسين الطرق.

يريد معاملة تنجز في يومها، لا نظاماً إلكترونياً يطلب منه الانتظار شهراً.

يريد دولة يشعر بها في حياته اليومية، لا دولة يسمع عنها في نشرات الأخبار.

ولذلك فإن أكبر مشروع يمكن أن تبدأ به الدولة العراقية اليوم ليس مشروعاً جديداً، ولا مؤتمراً جديداً، ولا شعاراً جديداً.

أكبر مشروع هو أن تجعل المواطن يلمس الدولة في حياته اليومية.

أن ترفع عنه المعاناة الصغيرة التي تراكمت حتى أصبحت جزءاً من حياته.

فربما لا يحتاج العراقي إلى من يقول له كل صباح إن الحكومة "تسهم" في خدمته.

لقد سمع ذلك كثيراً.

ما يحتاجه هو أن يفتح عينيه ذات صباح، فيذهب إلى دائرته، وينهي معاملته في دقائق، ثم يعود إلى بيته دون أن يكون قد خسر يوماً من عمره ومالاً من جيبه وقطعةً من كرامته.

عندها فقط يمكن أن نقول إن شيئاً قد تغير.

أما الكلمات، فقد استُهلكت حتى لم يعد المواطن يصدقها.

لقد حان وقت أن تتوقف الدولة عن إخبارنا بما ستفعل، وتبدأ بإرائنا ما فعلت.

NameE-MailNachricht