JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Startseite

فطور بعلبة جبن بنكهة الوطن . ..


 بقلم الكاتب والناقد السياسي 

حسن درباش العامري 


لي يوم واحد في الشهر أكون فيه مسرفاً، أو لنقل كريماً مع نفسي وعائلتي.

إنه يوم استلام الراتب.

في ذلك اليوم أتوجه إلى السوق وكأنني ذاهب لاسترداد حقوقي المسلوبة طوال الشهر. أقف أمام الفواكه، والألبان، والأجبان، وكل الأشياء التي كنت طوال الأيام الماضية أكتفي بالنظر إليها من بعيد، وأقول لنفسي: لا بأس... اصبري قليلاً، سيأتي يوم الراتب، وعندها سأريك كيف يكون الكرم!

أعرف مسبقاً أن نهاية هذا الكرم ستكون شيئاً من الندم والحسرة، وأنني سأقضي بقية الشهر وأنا أراجع حساباتي وأتساءل: لماذا اشتريت كل هذا؟

لكنني، رغم ذلك، أشتري.

ربما لأنني في ذلك اليوم أريد أن أعيش، ولو لساعات قليلة، حياة المسؤول الفاسد عندما يدخل إلى السوق.

ذلك المسؤول الذي يرى كل شيء أمامه متاحاً، فلا يسأل عن السعر، ولا يفكر إن كان راتبه يكفيه حتى نهاية الشهر، ولا يقف أمام رف الأجبان ليحسب كم بقي في جيبه.

بل ربما لا يكلفه الحصول على ما يريد أكثر من أن ينطق باسم الشيء.

جبنة.

فيأتيه صندوق.

فواكه.

فتُملأ بها السيارة.

حساب؟

ذلك شيء آخر... ربما هناك من يتكفل به!

أما أنا، فكنت أعيش نسختي الصغيرة جداً من هذه الحياة، مرة واحدة في الشهر.

استلمت راتبي، ودخلت كعادتي إلى أحد المحال المتخصصة ببيع الألبان والمربيات.

وأنا من عشاق اللبن الرائب والأجبان بكل أنواعها، ولذلك كان المكان بالنسبة لي أشبه بمدينة ملاهٍ لشخص جائع.

كان هناك عرض لتخفيض الأسعار.

وأمام عيني ظهرت أنواع من الأجبان تحمل أسماء ومناشئ مختلفة: هنكارية، هولندية، فرنسية، أردنية، مصرية، وسعودية.

قلت في نفسي:

مادامت الفرصة أمامي، فلماذا لا أقتنصها؟

إذا كانت هذه الأجبان مصنوعة في بلدان مختلفة، فمن المؤكد أن لكل منها طعماً مميزاً.

وبدأت أختار.

علبة من هنا، وعلبة من هناك، قطعة من هذا النوع، وقطعة من ذاك، ومعها لبن أربيل الجميل.

ثم بدأت أشعر بالخطر.

قلت:

إلى الكاشير فوراً... قبل أن أنتهي من الراتب نفسه!

وفي طريقي إلى صندوق الدفع، لمحت علبة جبن لم تكن تشبه بقية العلب.

اقتربت منها.

كان مكتوباً عليها:

الجبن الشيدر.

شدتني العبارة.

تناولت العلبة وقرأت منشأها.

دققت النظر مرة أخرى.

صنع في العراق – دهوك.

توقفت.

قلت لنفسي:

الله!

إنه منتج عراقي.

وهنا ظهرت في داخلي تلك العاطفة التي تجعلني أتحول، ولو للحظات، إلى وزير للصناعة.

أنا من المتعصبين لتشجيع المنتج المحلي.

قلت: إذا كان العراق يصنع الجبن، فلماذا أذهب إلى الفرنسي والهولندي والهنكاري؟

مددت يدي وأخذت عدداً من العلب.

ليس لأنني كنت بحاجة إليها، وإنما لأن فيها رائحة بلدي.

دفعت الحساب وغادرت سعيداً.

كنت أشعر أنني لم أشتر جبناً فقط، بل ساهمت في دعم الصناعة العراقية.

حل صباح اليوم التالي.

وهو الصباح الذي أكتب فيه هذه الحكاية.

استيقظت وأنا أفكر بفطوري.

قلت:

اليوم سأبدأ بالجبنة العراقية.

جهزت قوري الشاي، والخبز، والماء البارد الذي اعتدت أن أشربه قبل الفطور.

ثم أمسكت بعلبة الجبن.

لكن شيئاً لفت انتباهي.

كانت العلبة منبعجة من الأسفل بطريقة جعلت نصفها تقريباً غائراً إلى الداخل.

قلت: لا بأس. ل 

ثم تذكرت أن كثيراً من المنتجات العالمية قد تصلها بعض العيوب ف.

وواصلت الدفاع عن المنتج المحلي.

سنعديها.

فتحت العلبة.

وهنا بدأت الكارثة.

نظرت داخلها.

ثم نظرت مرة أخرى.

ثم أخذت الملعقة.

حركت قليلاً.

بحثت عن الجبن.

لم أجد إلا كمية لا تكاد تملأ ملعقة طعام واحدة!

قلت في نفسي:

ربما الجبن مختبئ في مكان ما!

واصلت البحث.

لا شيء.

أما الطعم، فكان حكاية أخرى.

خليط غريب من الحامض والحلو، ورائحة عطرية تشبه ماء الورد، ونكهات متعددة لا أعرف ما علاقتها بالجبن.

بحثت عن طعم الجبن.

لم أجده.

وجدت اسمه فقط.

جبن... بلا جبن.

نظرت إلى العلبة، ثم إلى الملعقة، ثم إلى ما تبقى من فطوري.

وفي النهاية كانت العلبة في طريقها إلى حاوية القمامة.

وهنا بدأت أفكر.

كيف نريد أن ننافس الصناعات العالمية ونحن نبيع للمستهلك علبة باسم الجبن، وفي داخلها ما لا يكفي حتى لصناعة سندويشة واحدة؟

كيف أقنع المواطن بشراء المنتج العراقي إذا كان المنتج نفسه يخونه عند أول تجربة؟

أنا مستعد لأن أدفع أكثر مقابل المنتج العراقي.

بل مستعد لأن أتحمل بعض الفوارق في الشكل أو التغليف أو حتى الطعم.

لكنني لا أستطيع أن أشتري الاسم فقط.

خصوصاً عندما أفتح علبة الجبنة السعودية فأجد فيها كيلوغراماً كاملاً.

وأفتح الهنكارية فأجد نصف كيلوغرام بالتمام والكمال.

ثم أفتح العلبة العراقية التي اشتريتها بحماس لأشجع الصناعة المحلية، فأجد نفسي أبحث عن الجبن بالمجهر!

المشكلة إذن ليست في أن المنتج عراقي.

المشكلة أن بعض من ينتج في العراق يبدو أنه يريد منا أن نشجع المنتج المحلي حتى لو لم يكن منتجاً جيداً.

وهذا خطأ.

لأن تشجيع الصناعة الوطنية لا يعني أن نغض الطرف عن الغش، ولا يعني أن نقبل بعلبة منبعجة، ولا أن ندفع ثمن عبوة ممتلئة شكلاً وفارغة مضموناً.

حب الوطن لا يعني أن نشتري أي شيء يوضع عليه اسم العراق.

بل يعني أن نطالب بأن يكون ما يحمل اسم العراق جديراً بهذا الاسم.

أنا أريد أن أشتري الجبن العراقي.

وأريد أن أفتخر به.

وأريد، في يوم راتبي، أن أختار المنتج العراقي قبل الفرنسي والهولندي والهنكاري.

لكن عندما أفتح العلبة وأجد أن الجبن فيها أقل من ملعقة، سأجد نفسي مضطراً إلى السؤال:

هل نحن فعلاً نحاول أن نصنع صناعة عراقية تنافس العالم، أم أننا فقط نصنع علباً عراقية بحجم طموحاتنا... ومحتواها بحجم الحقيقة؟

وهنا تذكرت المسؤول الفاسد مرة أخرى.

هو على الأقل عندما يدخل السوق، يأخذ ما يريد.

أما أنا...

فقد دفعت ثمن الجبن،

وحملت الوطن معي إلى البيت،

ثم اكتشفت أن الوطن كان مطبوعاً على العلبة فقط.

NameE-MailNachricht