د. جواد التونسي
لم تعد أخبار الموت في العراق تمرّ على الناس بوصفها حوادث استثنائية، خبر شاب في مقتبل العمر ينهي حياته شنقاً، وفتاة صغيرة تفقد حياتها إثر عبث بسلاح والدها، واشتباك مسلح يندلع بين عشيرتين، وإطلاق نار ينتهي بقتيل أو أكثر، سلسلة من المشاهد المؤلمة التي تكشف حجم الخلل الذي يعيشه المجتمع، وتطرح سؤالاً أكبر من تفاصيل كل حادثة، كيف أصبح السلاح قريباً من الإنسان إلى هذا الحد، وكيف أصبح الموت بهذه السهولة؟، حين يصل السلاح إلى يد طفل أو مراهق، أو يبقى في متناول أفراد الأسرة من دون تأمين، فإن الخطر لا يعود مرتبطاً بالجريمة وحدها، حادثة العبث بسلاح داخل منزل يمكن أن تتحول خلال ثوانٍ إلى مأساة لا يمكن إصلاحها، خصوصاً عندما يكون الضحية شاباً أو فتاة في مقتبل العمر، وفي الجانب الآخر، تقف ظاهرة الانتحار بوصفها جرحاً اجتماعياً ونفسياً يحتاج إلى معالجة حقيقية، لا إلى الاكتفاء بذكر الحادثة وأسبابها الأولية، القول إن دوافع الانتحار تعود إلى أسباب نفسية قد يفسر جزءاً من الصورة، لكنه لا ينهي السؤال، لماذا يشعر بعض العراقيين بأن الموت أصبح مخرجاً من أزمات الحياة؟، إن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، والمشكلات الأسرية، والبطالة، والعزلة، واليأس، وسوء التعامل مع الاضطرابات النفسية، كلها عوامل قد تتداخل في دفع الإنسان إلى حافة الانهيار، ولذلك فإن مواجهة الانتحار لا تكون بالحديث عنه بعد وقوعه فقط، بل ببناء منظومة مجتمعية وصحية قادرة على اكتشاف الإنسان المنهك قبل أن يصل إلى تلك اللحظة، أما السلاح المنفلت، فهو مشكلة أخرى لا يمكن تجاهلها، فما يحدث من اشتباكات عشائرية متفرقة وإطلاق نار نتيجة خلافات اجتماعية أو شخصية يكشف أن وجود السلاح خارج السيطرة القانونية يجعل الخلاف البسيط قابلاً للتحول إلى مأساة دموية ، " الخلاف يمكن أن ينتهي بكلمة، أما الرصاصة فلا تعيد من قتلت" ، ومن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع أن يصبح إطلاق النار وسيلة معتادة لحسم النزاعات، وأن تتحول بعض المناسبات والمشاجرات والخلافات إلى ساحات لإشهار الأسلحة، فالدولة التي تريد حماية مواطنيها مطالبة بأن يكون السلاح منظماً ومحصوراً ضمن المؤسسات المخولة قانوناً، وأن يكون القانون هو المرجع في فض النزاعات، لا قوة العشيرة ولا عدد المسلحين، ولا يعني ذلك تحميل العشائر العراقية مسؤولية كل حادثة، فالعشائر جزء أصيل من النسيج الاجتماعي العراقي، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول السلاح الموجود لدى بعض الأفراد إلى أداة لفرض الإرادة أو تسوية الخلافات بعيداً عن القضاء والقانون، كل هذه الحوادث تقول شيئاً واحداً، هناك حاجة إلى مجتمع أكثر وعياً، وسلاح أكثر انضباطاً، وقانون أكثر حضوراً، ورعاية نفسية واجتماعية أكثر قرباً من الناس، فالعراق الذي أنهكته الحروب والإرهاب والعنف لا يحتمل أن يتحول البيت إلى مخزن أسلحة، ولا الشارع إلى ساحة اشتباك، ولا اليأس إلى طريق للموت، العراق يحتاج أن يتعلم كيف يحمي الحياة، قبل أن يعتاد على أخبار فقدانها.
