JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
الصفحة الرئيسية

نبراس هاشم ذنون.. فنانة عراقية جعلت من اللون ذاكرةً للوطن ومن الفن رسالةً للإنسان.


 عصام حسين الحديثي 


من دهشة الطفولة أمام تماثيل معهد الفنون الجميلة في بغداد إلى فضاءات باريس وتونس والسويد والأردن.. رحلة فنانة حملت هوية العراق في أعمالها وجعلت من الفن لغةً للحياة والذاكرة والإنسان.

لم تكن الفنانة التشكيلية نبراس هاشم ذنون مجرد طفلة تحب الألوان والرسم وصناعة الدمى بل كانت تحمل منذ سنواتها الأولى بذرة مشروع فني أخذ ينمو معها، حتى أصبحت واحدة من التجارب التشكيلية العراقية التي جمعت بين الرسم والنحت والفكر والمعالجة الاجتماعية وجعلت من منجزها الفني نافذة تطل منها على قضايا الإنسان والوطن والبيئة والذاكرة.

ولدت نبراس في بغداد وفي بيت أدرك مبكراً أن ما تمتلكه ابنته ليس مجرد هواية عابرة فحرص والداها على توفير الألوان والطين الصناعي والأوراق الملونة وكل ما يساعدها على إطلاق خيالها وفي المرحلة المتوسطة لفتت موهبتها أنظار مدرّستها التي كانت تتوقف أمام رسوماتها متسائلة عن صاحبة تلك الأعمال فيما كانت نبراس تؤكد بفخر أنها من أنجزتها بيدها.

وكان الوعد العائلي نقطة التحول الأولى إذا أكملت المرحلة المتوسطة سيكون طريقها إلى معهد الفنون الجميلة مفتوحاً.

وفي عام 1993 تقدمت إلى معهد الفنون الجميلة ببغداد بعد دراستها في ثانوية العقيدة للبنات وكانت لحظة دخولها المعهد واحدة من أكثر اللحظات رسوخاً في ذاكرتها فقد وقفت مدهوشة أمام التماثيل والجداريات وأمسكت بيد والدها الذي سألها إن كانت قادرة على أن تكون واحدة من البصمات الفنية التي يضمها هذا المكان العريق. فأجابته وعيناها تلمعان: (نعم بابا، لازم أكون) .

لم تكن تلك الإجابة مجرد وعد لوالد بل كانت عهداً قطعته على نفسها.

خمس سنوات صنعت ملامح الفنانة

درست نبراس في قسم الفنون التشكيلية فرع التصميم وكان شغفها بالتعلم يتجاوز حدود المنهج الدراسي فكانت تستثمر أوقات المحاضرات الشاغرة في متابعة دروس فرع الرسم وتجلس في باحات المعهد لتطوير مهاراتها في التخطيط والرسم.

وفي المرحلة الخامسة أقامت معرضاً شخصياً متخصصاً بفن البصريات بمساندة واهتمام أساتذتها، ومن بينهم الفنانتان القديرتان هناء مال الله وشذى الراوي اللتان كان لهما أثر مهم في تلك التجربة.

وبعد تفوقها وتأهلها إلى كلية الفنون الجميلة، اتخذت قراراً غير تقليدي إذ اختارت الانتقال من التصميم إلى الرسم رغم أن ذلك كان يعني العودة إلى الدراسة من المرحلة الأولى بعد أن أوضح لها عميد الكلية آنذاك الدكتور الراحل فاضل خليل طبيعة هذا التحول.

كان بإمكانها الاستفادة من قبول الأوائل في المرحلة الثانية لكنها فضّلت أن تبدأ من جديد، إيماناً منها بأن التخصص الجديد يستحق أن تتعرف إلى أسراره وتقنياته من جذورها.

وهكذا درست في قسم الفنون التشكيلية فرع الرسم وواصلت التفوق والمشاركة في المعارض الطلابية ومعارض دائرة الفنون التشكيلية، ومهرجانات بابل والفعاليات الوطنية وكانت علاقتها بزملائها قائمة على الحوار والتجريب والتنافس الفني النزيه حتى إن العطلة الصيفية لم تكن تعني التوقف عن العمل بل كانت تلتقي بهم في الكلية للاستفادة من ملاحظات أستاذهم الدكتور فاروق العلوان.

ولم تتوقف رحلتها عند الرسم، فقد اتجهت لاحقاً إلى دراسة النحت في الدراسة المسائية لتضيف إلى تجربتها معرفة جديدة بالتقنيات والخامات والأشكال المجسمة مستفيدة من خبرة أستاذها الفنان الراحل صالح القره غولي.

الفن في مواجهة التحولات الاجتماعية

جاء عام 2003 وما حمله من ظروف استثنائية ليشكل مرحلة مختلفة في حياة الفنانة نبراس لكنها لم تتخل عن مشروعها الفني بل واصلت العمل ضمن مجموعات شبابية، وتواصلت مع فنانين عراقيين في الخارج وشاركت في معارض شبابية دولية من بينها معرض فني في السويد حققت فيه جائزة مميزة فضلاً عن مشاركاتها في معرض عشتار للشباب في جمعية التشكيليين العراقيين.

وفي تجربة إنسانية لافتة عملت مديرة للفن في إحدى دور الأيتام حيث تعاملت مع أطفال من أعمار مختلفة وأعدت برنامجاً تنموياً يستند إلى علم النفس من خلال الرسم والعمل الفني مستثمرة الفن وسيلة لفهم مشاعر الأطفال والتعبير عن تجاربهم.

وقد أثمرت هذه التجربة عن أعمال متميزة للأطفال وصلت إلى مشاركات ومعارض في الدنمارك والسويد ولندن وحصدت جوائز وتقديراً وكانت تحرص على تجديد الأنشطة الفنية باستمرار حتى لا تتحول إلى ممارسة رتيبة، بل تبقى مساحة للخيال والاكتشاف والتعبير.

وفي عام 2005 عُيّنت في إحدى إعداديات البنات، ثم انتقلت إلى معهد الفنون الجميلة لتتحقق أمنية أخرى طالما حملتها أن تعود إلى المؤسسة التي صنعت بداياتها ولكن هذه المرة بصفتها تدريسية تنقل المعرفة والخبرة إلى الأجيال الجديدة.

من بغداد إلى العالم.. حضور فني يتجاوز الحدود

واصلت نبراس مسيرتها الفنية إلى جانب عملها الأكاديمي وقدمت عام 2008 معرضها الشخصي (سلالم لأحلام مؤجلة) في قاعة مدارات وكان محطة مهمة في تطور تجربتها لما حمله من خصوصية في المعالجة البصرية والفكرية وما أثاره من اهتمام النقاد والمتخصصين في الوسط التشكيلي العراقي.

ولم تكن مشاركاتها الخارجية مجرد حضور في معارض دولية بل كانت فرصة للتعريف بالفن العراقي وتجارب الفنانين العراقيين.

ففي عام 2007، تلقت دعوة من منظمة اليونيسيف لتصميم بطاقة تهنئة بمناسبة شهر رمضان المبارك وجرى طبعها وتوزيعها على رؤساء دول العالم، في تجربة حظيت على إثرها بشهادة شكر وتقدير من المنظمة.

كما شاركت في مهرجانات شبابية وفنية في الأردن وواصلت البحث عن آفاق جديدة لتجربتها إلى أن تلقت دعوة من جمعية التشكيليين الأردنيين لإقامة معرض شخصي مطلع عام 2013 بعنوان (لمسات من الماضي) وهو معرض فتح أمامها مساحة أوسع للتواصل مع الجمهور العربي والتعريف بتجربتها الفنية.

وفي العام نفسه كانت تواصل دراستها العليا في كلية الفنون الجميلة فرع النحت لتجمع بين الممارسة الفنية والبحث الأكاديمي.

باريس.. حين يتحدث الفن العراقي بلغة عالمية

من المحطات البارزة في مسيرة نبراس هاشم معرض (ريشات متقاطعة) الذي أقامته في نهاية عام 2013 مع ثلاث فنانات عراقيات في المركز الثقافي الفرنسي وقد تميز المعرض بتنوع التجارب والأساليب الفنية وفتح أمامها باباً جديداً للمشاركة في نشاط فني دولي نظمه المركز الثقافي الفرنسي.

وقد فازت بالمرتبة الأولى في تلك المسابقة عن عمل تركيبي قدمته لتتلقى دعوة لإقامة معرض شخصي والإقامة في مدينة الفنون بباريس نهاية عام 2014.

كانت تلك الرحلة أكثر من مشاركة فنية؛ فقد أتاحت لها الاطلاع على المؤسسات الثقافية والمتاحف والقاعات الفنية الفرنسية والاحتكاك بفنانين من مختلف دول العالم والمشاركة في ورش فنية متعددة التخصصات.

وفي معرضها الشخصي بباريس، قدمت تجربة ذات منحى مختلف سلطت من خلالها الضوء على البيئة الاجتماعية العراقية، فوجدت موضوعاتها اهتماماً من الفنانين والجمهور والمؤسسات الثقافية مؤكدة أن خصوصية التجربة المحلية يمكن أن تتحول إلى لغة بصرية يفهمها المتلقي أينما كان

«قرابين الوطن».. الفن بوصفه حواراً مع الذاكرة

في عام 2015 قدمت نبراس تجربة تركيبية بعنوان (قرابين الوطن) في قاعة برج بابل مستندة إلى قراءاتها في التاريخ العراقي والفكر والفلسفة.

جمع العمل بين الرسم ومفردات مادية متعددة من شبك الحديد والصخور وخامات أخرى في محاولة لخلق حوار بين الفكرة الفنية وموجودات الطبيعة وما تحمله من دلالات إنسانية ووطنية.

وقد أثار العمل اهتمام النقاد والمتخصصين وفتح باباً للنقاش والتحليل حول مضامينه الفكرية وتقنياته التعبيرية.

ولم تكن هذه التجربة منفصلة عن رسالتها التدريسية فقد كانت تحرص على نقل خبراتها إلى طلابها، وتؤكد لهم أن الفن ليس مهارة في استخدام الألوان والخامات فحسب، بل قدرة على قراءة المجتمع والتفاعل مع قضاياه والتأثير في ثقافته ووعيه.

وكانت المرأة العراقية والطفولة المفقودة والهجرة وذكريات الطفولة والبيئة من أبرز الموضوعات التي حضرت في أعمالها، سواء عبر اللوحة أو التخطيط أو الأعمال النحتية والجداريات البارزة.

ثورة تشرين.. حين أصبحت الجدران ذاكرة شعب

في عام 2019، تفاعلت نبراس مع أحداث ثورة تشرين من خلال تفعيل مشروع الجداريات الفنية ودعم الشباب المشاركين فيها، وأقامت معرضين في المركز الثقافي الفرنسي الأول لصور الجداريات التي أنجزت في تلك المرحلة، والثاني لصور فوتوغرافية وثّقها مصورون شباب بأساليب احترافية.

وقد مثلت هذه التجربة توجهاً فنياً وثقافياً مختلفاً، جعل من الصورة والجداريات وسيلة لحفظ الذاكرة البصرية لمرحلة مهمة من تاريخ العراق الحديث.

وفي عام 2022، أقامت معرضها الشخصي «تجارب نبراس هاشم» في قاعة برونز مقدمة مجموعة متنوعة من الأعمال التي جمعت بين الرسم والنحت واستمر المعرض أسبوعين وشهد حضوراً ومتابعة من الفنانين والمهتمين في تجربة كشفت عن اتساع أدواتها الفنية وقدرتها على الجمع بين مسارات تعبيرية متعددة.

من روح الرافدين إلى تراتيل الجنوب

في عام 2023 تلقت دعوة من قصر الثقافة التابع لوزارة الثقافة التونسية للمشاركة في الموسم الثقافي الصيفي بالعاصمة تونس، وقدمت منجزاً فنياً يستلهم الروح الرافدينية، ويرصد أهوار العراق وحياة الجنوب ومفرداته البيئية.

وقد استقطبت أعمالها اهتمام الجمهور التونسي، وأقيمت ندوات حوارية تناولت حياة الأهوار في وادي الرافدين ثم انتقل المعرض إلى مؤسسة وجدان الثقافية حيث حظي بجلسة حوارية وتكريم خاص، فضلاً عن مقابلات تلفزيونية وإذاعية.

وفي عام 2024 اختارت أن يكون لها حضور مختلف داخل العراق، فجمعت أعمالها في الرسم والنحت وأقامت معرضها (تراتيل جنوبية) في قاعة حامد سعيد بالبصرة.

كان المعرض بمثابة قصيدة بصرية عن الجنوب العراقي تناولت فيه الأهوار وشط العرب والبيئة المائية وما تعرضت له من إهمال وخسارات بيئية وإنسانية امتدت آثارها إلى حياة السكان ودفعت كثيرين إلى الهجرة وترك أرضهم وذكرياتهم.

وقد لامست الأعمال مشاعر الحضور حتى إن بعضهم تساءل عما إذا كانت الفنانة قد عاشت في تلك المناطق أو عاصرت تلك التحولات والخسارات فكان جوابها معبراً عن فلسفتها الفنية والإنسانية:

(أنا بنت هذا الوطن إن لم أعشها أتعايش معها بكل تأكيد). وهي عبارة تختصر علاقتها بالعراق فالفنان في نظرها ليس مطالباً بأن يعيش كل تفاصيل المعاناة حتى يعبر عنها لكنه مطالب بأن يشعر بها ويفهمها ويحمل مسؤولية تحويلها إلى عمل صادق.

نبراس هاشم.. الفن مسؤولية قبل أن يكون شهرة

إن قراءة تجربة الفنانة نبراس هاشم ذنون تكشف عن مسيرة لم تتوقف عند حدود الرسم أو النحت بل امتدت إلى التعليم والعمل الإنساني والبحث الفكري والمشاركات الدولية وإلى محاولة دائمة لإيجاد لغة فنية تعبر عن الإنسان العراقي وذاكرته وبيئته وتحولاته.

لقد انتقلت من دفاتر الرسم في طفولتها إلى قاعات المعارض في بغداد وباريس وتونس وعمان والسويد، ومن صناعة الدمى والأشكال الصغيرة إلى الأعمال التركيبية والمنجزات البصرية ذات المضامين الاجتماعية والوطنية.

والأهم أنها لم تنظر إلى الفن باعتباره وسيلة للعرض أو تحقيق الحضور الشخصي فقط بل بوصفه مسؤولية ثقافية وأخلاقية، ومرآة تعكس حياة الشعوب وتحفظ ذاكرتها وتكشف ما قد تعجز الكلمات عن قوله.

إن مسيرة نبراس هاشم ذنون تقدم صورة لفنانة عراقية آمنت بأن الموهبة تحتاج إلى الدراسة، وأن الإبداع يحتاج إلى القراءة والبحث والتجريب وأن الفنان الحقيقي لا يتوقف عند تجربة ناجحة بل يظل في حالة اكتشاف دائم.

فمن وعد صغير قطعته لوالدها أمام تماثيل معهد الفنون الجميلة، بدأت الحكاية، ومن ذلك المكان العريق انطلقت رحلة امتدت إلى العالم حاملة معها ألوان العراق وذاكرته وروحه الرافدينية.

فاللون عند نبراس ليس مجرد لون، والنحت ليس مجرد تشكيل للخامة، والفن ليس مجرد لوحة معلقة على جدار إنه ذاكرة وطن وصوت إنسان ورسالة لا تعرف الحدود.

الاسمبريد إلكترونيرسالة