إصبع على جرح ..
بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ...
تتوارد الأخبار عن صعود الدخان الأبيض من نوافذ الإطار التنسيقي بترشيح السيد نوري المالكي لتّولي منصب رئس الوزراء . خبر كان له أثره في تفاعل الرأي الجماهيري على مستوى العراق بشكل يستحق التوثيق والإشارة اليه بين مساحة كبيرة من التأييد والتفاؤل لقطاع واسع من ابناء الشعب العراقي لقناعتهم واقتناعهم بقوة شخصية المالكي وجرأته في إتخاذ القرارات الصعبة وقدرته في مواجهة التحديات من دون أن نغفل عن مساحة التحفظ او المعارضة لمن يرى في ترأّس السيد المالكي للحكومة تهديدا لمصالحه وتعارضا مع رؤيته في قيادة الدولة . وجهة نظرنا إزاء الأمر تنطلق بحيادية تامة بما فيه الخير للصالح العام خصوصا وإن البنية الإقتصادية للدولة العراقية تواجه أزمة حقيقية بما تراكم على الدولة من ديون داخلية كبيرة اضافة الى عدم إستقرار إسعار النفط . لابد للمتحدث عن السيد نوري المالكي أن يتذّكر وقائع لا يمكن تغافلها . لابد أن نتحدث عن مرحلةٍ كُتبت بالدم وحكومةٍ وُلدت وسط اللهب ودولةٍ كانت تُقاد من حافة الهاوية . فالمالكي لم يتسلّم السلطة في زمن استقرار ولا ورث دولة آمنة بل واجه عراقًا ممزقا وبغدادَ تُفجّر صباحا وتنعى ضحاياها مساءً حيث كان الموت جدول أعمالٍ يومي وكان الانفجار لغة التخاطب السائدة . في ولايته الأولى . كانت العاصمة تُستهدف بأكثر من اثني عشر تفجيرًا في اليوم الواحد وكانت السيطرات الوهمية تُنصب كفِخاخٍ للموت وكان الرعب يُدار بعقلٍ منظّم يقوده تنظيم القاعدة وتحميه بقايا البعثٍ الصدّامي . لم يقف الأمر عند هذا الحد بل وصل الانحراف إلى ذروته حين تلطخت أعلى المناصب باتهامات الإرهاب وكان نائب رئيس الجمهورية آنذاك طارق الهاشمي في قلب ملفٍ هزّ الدولة وكشف عمق الاختراق بتولّيه اكبر عصابة للأغتيال في بغداد . خمسة آلاف انتحاري وأكثر جاؤوا من صحارى التطرف في السعودية ففجّروا أنفسهم في بغداد والنجف وكربلاء وخلفوا المئات من الشهداء من الأطفال والشيوخ والنساء ظنًّا منهم أن العراق يُكسر وأن الدولة تُرغم على الركوع لكن وسط هذا الطوفان لم يتراجع المالكي ولم يساوم على السيادة بل شدّ القبضة حيث ارتعشت الأيدي وفرض سلطة القانون حين كانت الفوضى مشروعًا سياسيا لبعض الشركاء قبل الخصوم. ومن رحم النار وُلدت قوة عراقية محترفة جهاز مكافحة الإرهاب (الفرقة الذهبية) لا بالشعارات بل بالتدريب والانضباط، ليصبح لاحقًا رأس الحربة في مواجهة الإرهاب وشاهدًا على أن الدولة حين تريد تستطيع. ولم يكن الأمن وحده ميدان الفعل بل امتّد الأداء إلى الإعمار حيث أُطلق أكبر مشروع سكني استثماري عرفه العراق مدينة بسماية السكنية مشروعٌ ما زال قائمًا كشاهدٍ حي على ما يمكن أن تفعله الدولة حين تتقدّم النية على النكاية . ثم جاء المشروع الأكبر والأثقل وزنا والأوضح دلالة مشروع (النفط مقابل الإعمار) بالإتفاقية مع كوريا الجنوبية لبناء مستشفيات ومدارس وجامعات وطرق ومصانع تعيد للاقتصاد نبضه. لكن هنا لم يُهزم المشروع بعجز مالي بل بطعنٍ سياسي من (إخوة يوسف) الذين تكاتفوا في مجلس النواب العراقي لا خوفًا على المال العام بل خشيةً من إنجازٍ قد يمدّد ولايةً ثالثة للمالكي فكان وأدُ المشروع خيارا وتعطيلُ الدولة وسيلة . كل هذا فضلا عن تعديل رواتب الداخلية والجيش والموظفين . اليوم يُعاد طرح السؤال بحدّة , هل ينجح المالكي إن عاد إلى رئاسة الوزراء والميزانية خاوية والديون الداخلية تجاوزت تسعين ترليون دينار والاقتصاد يئن تحت ضغط العجز ؟ هل يُترك المالكي ليعمل أم يُحاصَر كما حصل من قبل وتُفتح عليه جبهات الشغب وتُستَحضَر الفوضى ويُعاد تدوير بقايا المحرّضين وحثالات التخريب ؟ الحقيقة القاسية أن ما واجه المالكي سابقا في دورته الثانية لم يكن فشل القدرة بل فشل في صفاء نوايا الشركاء . وأن نجاحه المأمول والمتوقع لن يكون امتحانًا له وحده بل اختبارا لمن يدّعون الوطنية والولاء للوطن نهارًا ويمارسون الهدم والخراب ليلًا. فإما دولة تُدار بعقلٍ حازم وقرارٍ سيادي وإمّا كما يشاء البعض وجوهٍ متبدلة وفوضى تُعاد بسجعٍ جديد وهنا تماما يبقى الإصبع على الجرح
