محمود الهاشمي
١٦-١-٢٠٢٦
منذ انطلاق الثورة الاسلامية بايران عام ١٩٧٩واعلان القيادة الايرانية الجديدة موقفها الصريح بالعداء للاستكبار العالمي المتمثل باميركا وحتى
اليوم ،فان محاولات الولايات المتحدة لم تتوقف من التآمر على ايران ،وبدلا من استهداف
القيادة راحت تستهدف (الشعب الايراني )ومحاولة توفير قناعة له بان حكومته الاسلامية بعيدة عن اسس الديمقراطية
وانها سبب معاناته الاقتصادية
ولابد من (اسقاط النظام ).!
كثيرون يتساءلون ان اميركا دولة عظمى ومتفردة بالعالم وقوية التأثير بدول تفوق ايران عددا ومساحة وحتى تطورا علميا مثل دول اوربا،واستطاعت ان تغير انظمتها وتصنع الفوضى والحروب والاقتتال الداخلي لها وتثير الضغائن والاحقاد العرقية والدينية والطائفية بين مكوناتها
،فكيف عجزت عن التأثير بالشعب الايراني ؟
ان اميركا لم تفهم (عمق الحساسية الايرانية اتجاه الاستقلال )!
وتعاني من امية في قراءة خصوصية الشعب الايراني وتاريخه ومزاجه ونظرته الى
بلده وعمقه الحضاري ..
كما لم يتفهم الاميركان (ان الضغط الخارجي غالبا مايقوي الداخل بدلا من اضعافه )
اما كيف اصبح الشعب الايراني بهذه الخصوصية فذلك امر يخص التاريخ وتشكيل الشخصية لاي قومية او شعوب بلد بالعالم .
كنت في زيارة الى ايران خلال حرب (١٢)يوما في حزيران من عام ٢٠٢٥ مع وفد اعلامي رفيع
وعشنا معا ،كيف تلقى الشعب الايراني الهجوم حيث لم تشهد ايما قلق على اي مواطن ،فلم يزدحموا على الاسواق والمحال التجارية ولاعلى محطات الوقود ولم يخشوا ان يطالهم
الهحوم فيما كانت تسمع اصوات الانفجارات بالعاصمة طهران ومعها اخبار الاغتيالات للعلماء والقيادات العسكرية والحكومية ،كما لم نشهد انتشارا امنيا بالشوارع العامة وكانت حركة المرور جدا عادية
وهذا دليل ثقة المواطن بدولته
في مواجهة المخاطر وثقته بنفسه ايضا وعدم خضوعه للاملاءات الخارجية .
وانت تزور ايران بسهولة تسمع
انتقاد المواطنين لاداء الحكومة ،رغم اناقة الشوارع ونظافة المدن والتنظيم لحركة المرور ،ورغم رخص الوقود من بنزين وغاز وبقية المشتقات والدعم الصحي وتقديم الخدمات المحانية الكثيرة. ايران تنتج
٩٨٪ من الادوية والعلاجات ومستشفياتها متطورة وتنتج اغلب الأجهزة الطبية
وتنتج جميع المنتجات الزراعية على ارضها ناهيك عن العدد الهائل للمصانع والمعامل والشركات والتطور العلمي والتقني للبلد .
روح (الانتقاد )موجودة في عقيدة المواطن الايراني قديما وحديثا ،وغالبا مايقسو في انتقاده على شؤون صغيرة ويرى في ذلك حقا له ،فيما اعتاد المسؤولون على قبول هذه الانتقادات ومحاولة معالجتها ..
وهذه (الانتقادات )يعرضها الاعلام الايراني بكل شفافية
ويعرضها ممثلو الشعب (اعضاء مجلس الشورى )ايضا سواء بجلساتهم او عبر وسائل الاعلام ،لكن هذا (الانتقاد )غير مرتبط بجهات (خارجية )او تحريض من قبل احد كان من يكون انما هو انتقاد لواقع يحتاج معالجة .
الشعب الايراني في كل تاريخه وازمانه يرى في ارض ايران مكانا (مقدساً)ويرى فيها بديلا عن كل مباهج الحياة في الدول الاخرى ،وفي اعياد نوروز ترى الشعب الايراني بكل اعراقه وطوائفه واديانه يحزم حقائبه
ويسافر الى محافظات اخرى غير المحافظة التي يعيش بها ،وحين تتابع الاسرة الايرانية وهي تعد تجهيزاتها للسفر تعتقد انها سترحل الى دولة اخرى لكن هي مجرد سفرة سنوية الى منطقة اخرى داخل نفس البلد .
ايران واسعة المساحة حوالي مليون وستمائة الف كم٢ومتنوعة التضاريس والمناخات ،وفيها من المراكز السياحية الكثير وكما يصفها المتنبي خلال زيارته ل(شِعْب بوان )بايران .
(لَها ثَمَرٌ تُشيرُ إِلَيكَ مِنهُ
بِأَشرِبَةٍ وَقَفنَ بِلا أَواني
وَأَمواهٌ تَصِلُّ بِها حَصاها
صَليلَ الحَليِ في أَيدي الغَواني
إِذا غَنّى الحَمامُ الوُرقُ فيها
أَجابَتهُ أَغانِيُّ القِيانِ)
اثناء التظاهرة الاخيرة بايران
خرجت تظاهرة لايرانيين يعيشون في لندن امام المركز الاسلامي الايراني باالعاصمة لندن توافقا مع احتجاجات الداخل ،فسأل مراسل قناة اجنبية شاب ايراني مشارك بالتظاهرة ؛-كيف تقيّم دعم الرئيس الاميركي ترامب للشعب الايراني ومطالبه ؟
فانزعج الشاب ورده (وماعلاقة ترامب بالشعب الايراني ؟هذا شأن داخلي ايراني رجاءً)
وأعتقد ان هذا (الشاب)ربما ولد في لندن وليس في ايران .
ان مجرد جردة سريعة لتاريخ ايران ، ستجد ان ايران لم تُستعمر طيلة تاريخها استعمارا مباشرا وإن احتلت بريطانيا والاتحاد السوفيتي ايران عسكريا خلال الحرب العالمية الثانية لكن كان احتلالا (مؤقتاً)حيث لم تُلغ الدولة الايرانية وانسحبوا لاحقاً.
وفي التاريخ القديم ان ايران تعرضت لغزوات واحتلالات لكنها لاتعد استعمارا مباشرا
فمثلا حين اجتاح المغول ايران
في القرن (١٣)الميلادي اشتمل الايرانيون على هذا الغزو الخطير والدموي واستطاعت اسرة (الجويني)الايرانية العريقة ان تبرز وان تاخذ الدور في ادارة الشعب الايراني دون ان تترك ل(القادة المغول)الادارة العسكرية الخالصة واضطهاد الشعب الايراني ،كما كان لهذه الاسرة في اعادة بناء ايران بعد الدمار المغولي ..
ان واحدة من اهم اسباب تذمر الشعب الايراني من حكومة (محمد رضا شاه بهلوي )والثورة ضده هو ارتباطاته الخارجية باميركا واسرائيل ..
الشعب الايراني يحترم كل الشخصيات التي مرت في تاريخ بلده ،ويرى فيهم (جزءً )من تاريخه من حكام وكتاب وفلاسفة وادباء وفنانين
وشعراء ومؤرخين الخ
و مازالت مراقد هؤلاء تشيد وتزار وتعمر وتظهر بالابهى من المباني وحين تزور قبر الشاعر الايراني (حافظ شيرازي )و(سعدي شيرازي )و(عمر الخيام )وغيرهم تعجب من جمال البناء والحدائق الغناءة
والرعاية والاهتمام من جميع الحكومات المتعاقبة ،
وليس غريبا لدى الشعب الايراني انهم حين (يستخيرون)
صباحاً ،يفتحون ديوان حافظ شيرازي ليدلهم بيت شعري
على فألهم ذلك اليوم .
فيما سنوياً يحج لقبر حافظ الالاف من الايرانيين .
الإيرانيون حافظوا على تراثهم وتاريخهم ولم تهدم امةٌ مابناه
من سبقهم وان جارَ عليهم ،فعلى سبيل المثال ان (محمد رضا بهلوي شاه ايران السابق)الذي كان وراء اعدام وقتل واعتقال الالاف من الشعب الايراني وخاصة رجال الدين ،فما زال قصره يُزار (كاخ شاه)وتجد كافة مقتنيات (الاسرة البهلوية )وهناك دليل يهديك لتفاصيل القصر والاسرة ويعرفك بالمقتنيات .
الايرانيون يرون باميركا دولة حديثة وقارة سُكنتْ قبل (٥٠٠)عام فكيف لها ان تطاول دولة وتاريخا بحجم ايران وتاريخها الحضاري الذي يمتد لالاف السنين ؟
الشعب الايراني قد يختلف مع حكوماته لكنه لايقبل خيانة ارضه وتاريخه وسيادة بلده .
الايرانيون يرون ان العقوبات الاميركية وراء الازمات الاقتصادية في بلدهم ويحملون اميركا ذلك
وهم القادرون على تغيير اوضاعهم الإقتصادية وليس لاميركا او اسرائيل ان تتدخل في شؤونهم ويحملونها مسؤولية ماحدث في بلدهم من اعمال عنف واعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة
ويرون انهم اكبر من مخططات الاعداء .
