إصبع على جرح ..
بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
أبعدنا الله وإياكم عن مستنقع الخيانة . للخيانة مراتب عديدة ومفهوم واحد لكنها في جميع مراتبها تجتمع في قاسم مشترك واحد يتمثل في دنائة نفس صاحبها وإنحطاطه وضحالة أخلاقه . الخيانة ليست زلّة قدم بل انقلاب ضمير وليست لحظة ضعف بل سقوط الذات في داء الأنانية . لم تكن الخيانة خطأً عابرا بل خيانة مقيمة تدخل النفوس بلا استئذان وتغادر القيم بلا وداع . وإذا فُعِلتْ انكسر الميزان وإذا شاعت صار الشك قانونا وصارت الثقة عملة نادرة في سوقٍ يعج باللصوص والمزوّرين . أبعدنا الله وأياكم عن سوء عاقبة الخيانة التي تشيع حيثما تستبدل المبادئ بالمصالح والقيم بالمنافع الشخصية والأخلاق بالذرائع . الخائن في حقيقته منسلخ عن الضمير والإنسانية يرى في الخيانة شطارة وفي الوفاء سذاجة ويشكو من فراغ الروح وعمى البصيرة للحد الذي يشعر فيه أن الضمير عبء يجب التخلص منه . في بلادنا وللأسف الشديد إستشرى وباء الخيانة لدى الساقطين في هاوية السعي الأعمى للسلطة أو المال أو اللذة . لنأتي على ما يربط بين خيانة الصديق وخيانة الوطن .. خيانة الصديق وما أقسى خيانة الصديق حين يعرف ضعفك فيستغله ويحفظ سرك ليبيعه ويغدرك حيثما يشاء ولله درّك مولانا أمير المؤمنين الذي قال بما معناه , اللهم إكفني شر أصدفائي أما اعدائي فأنا كفيل بهم . خيانة الصديق لا تجرح مرة بل تجرح ألف مرة لأنها لا تأتي من خصم بل من رفيق درب كنت تحسبه أخا . أنا ارى خيانة الصديق وغدره أقسى من خيانة صلة الرحم او أخ يبيع أخاه حيث لا يكون الفقر هو المشكلة بل موت الضمير ولا تكون الحاجة هي الدافع بل الجشع المقنّع بثوب الحق . هي هدم متعمد لميثاق غليظ وعهد وذكريات وفضل وإحسان لمن أساءوا ولا بد أن تتقي شر من اساء اليك . هي خيانة لمعنى الأمان وجريمة صامتة ضحيتها الثقة وشاهدها الصمت . وجهة نظري الشخصية إنه من الخطأ ان تأتمن من يخون الصديق حتى على الوطن فخيانة الوطن لديه اسهل رغم انها أقبح وأخطر وأشد فتكا فكلاهما يبيع الذكريات ويفشي الأسرار ويصافح العدو . كلاهما جريمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية . كلاهما يخون التاريخ ويخون المستقبل ويفتح أبواب الفوضى ويمنح الأعداء مفاتيح البيت من الداخل . بقي أن نقول إن تداعيات الخيانة أبعدنا الله وإياكم عنها خراب يتجاوز الفاعل فتخنق الثقة وتسمم العلاقات وتحوّل المجتمع إلى مجموعة أفراد يشكّ بعضهم ببعض ويخشى بعضهم من بعض وتقطع سبيل المعروف . وحين تتكرر الخيانة لا يعود الناس يسألون من خان بل يسألون من لم يخن بعد ؟ وليفهم كل الخونة إن الخيانة ليست قدرا بل خيارا وليست حتمية بل قرار . والوفاء وإن بدا ثقيلا في زمن الخفّة وصعبا في زمن التبرير يبقى هو الفارق بين إنسانٍ يحترم نفسه وآخر يبرر سقوطه . فالخائن قد يربح مرة لكنه يخسر نفسه إلى الأبد ومن خان مرة سيسهل عليه أن يخون ألف مرة لأن من كسر العهد كسر آخر ما يربطه بالشرف. ....
