د. صلاح الدليمي
لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، لكنه سبحانه لم يربط "العظمة" بصورة الجسد أو طول القامة، بل جعل ميزان التفاضل في القلب والسلوك. حين أراد الخالق جل وعلا أن يمتدح صفوة خلقه، نبينا محمدًا ﷺ، لم يمتدحه بماله ولا بجاهه، بل اختصر عظمته في جملة هزت أركان التاريخ: "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ".
*يوسف عليه السلام.. حين انتصر الخُلُق على الجمال*
في قصة نبي الله يوسف عليه السلام، نجد أعظم درس في ترتيب الأولويات الإلهية. لقد أُعطي يوسف شطر الجمال البشري، ومع ذلك، لم يكن هذا الجمال هو المنقذ له، بل كان في وقت من الأوقات سببًا في "البلاء والمحنة" والفتنة.
لكن، ما الذي أخرج يوسف من غياهب السجن إلى سدة الحكم؟ لم يكن وسامة وجهه، بل كان إحسانه، وعفته، وأمانته، وصدقه. لقد ملك قلوب السجناء بأخلاقه قبل أن يملك قلوبهم بجماله، فكان "المحسن" قبل أن يكون "الجميل". هذا يعلمنا أن الجمال قد يفتح لك الأبواب، لكن حسن الخلق هو الذي يبقيك داخلها بكرامة.
*ميزان القرب في الآخرة*
لم تقتصر عظمة الأخلاق على الدنيا، بل امتدت لتكون هي "تذكرة العبور" لأعلى مراتب الجنان. لقد بشرنا النبي ﷺ بأن أقرب الناس منه مجلسًا يوم القيامة هم "أحسنهم أخلاقًا". وكأن الأخلاق هي اللغة الوحيدة التي تُفهم في السماء، وهي المعيار الذي تُبنى على أساسه البيوت المخصوصة في أعلى الجنة.
*الجمال الزائل والجمال الأبدي*
إننا نعيش في عصر يقدس "المظهر"، وننفق الأموال والوقت في تحسين القشور، متناسين أن جمال البدن زائل وفانٍ لا محالة مهما حاولنا ترميمه. أما جمال الروح والأخلاق فهو:
* عطرٌ لا يتبخر: يبقى أثره حتى بعد رحيل صاحبه.
* نورٌ في الوجه: لا تصنعه المساحيق، بل يصنعه الصدق والرفق.
* سلطانٌ على القلوب: يجعل الناس يحبونك بلا شروط.
خاتمة:
إن الأخلاق هي "الجمال الأبدي" الذي لا يذبل بمضي السنين، ولا يشيخ بتقدم العمر. فليكن سعينا نحو تجميل أرواحنا أعظم من سعينا نحو تجميل وجوهنا، فالله ينظر إلى القلوب، وفي القلوب تسكن الأخلاق.
