JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
الصفحة الرئيسية

بين الخوف والخوف.. حين تُحاصر المواطن ويُختبر الوعي


 الكاتب/حسن درباش العامري 

بغداد

يقف المجتمع اليوم في مساحة رمادية خانقة، لا هي حربٌ واضحة فيُعرَف العدو، ونحن اهل الحرب ورجالها ،ولا هي سلمٌ حقيقي تُبنى فيه الدولة ونحن دعاة السلم ونسالم من سالمنا ونعشق الحروب. هو وضع مُعلّق عن قصد لان المستفيد لايريده سلم ولاحرب لضمان مصالحه، لأن التعليق الطويل ينهك الإرادة ويكسر القدرة على الاختيار. الناس لا تعيش أزمة قرار فحسب، بل أزمة معنى؛ إذ لم يعد أي خيار يبدو سليما او نقيًا بالكامل، وصار كل موقف يحمل في داخله بذرة ندم محتمل.او دافع للتردد،،

القبول بالفساد لم يعد يُسوَّق بوصفه حسن تدبير، بل بوصفه ضرورة خوف. خوفٌ من أن يؤدي رفضة ومحاربته إلى انهيار أمني، إلى فراغ تملؤه جماعات ارهابية لا تؤمن بدولة ولا بإنسان فهي تتربص وتتحين ساعة الضعف. وهكذا يُقدَّم اللص باعتباره أهون الشرور، ويُلبَس النهب والفساد ثوب الاستقرار، ويُقنِع الناس أنفسهم بأن الظلم المنظّم أرحم من الفوضى العمياء. غير أن هذا القبول لا يصنع أمانًا، بل يراكم انفجارًا مؤجَّلًا، لأن الدولة التي تُبنى على سرقة الناس لا تحميهم، بل تتغذى عليهم.

في الجهة المقابلة، يبدو رفض هذا الواقع او محاربتة للتخلص منه وكأنه قفز في المجهول. شعارات الدولة المدنية، وبناء المؤسسات، والاستثمار وحفظ الكرامة، تبدو نقيّة في معناها، لكنها تحمل معاني اخرى في تغذية الفساد وتسمين القطط على حساب افقار الشعب لتصطدم بواقع أكثر قسوة: تدخل خارجي جاهز، يتربص بلحظة الانقسام ليظهر بوصفه منقذًا او محررا . لا يدخل هذا الخارج بالدبابات أولًا، بل بخطاب الحماية، وبذرائع الاستقرار، وبوعود إنقاذ الناس من أنفسهم. عندها يُختطف المشروع قبل أن يولد، ويُسرق الحلم باسم أصحابه، فيفتك بالمواطنين ويبيح دمائهم وأموالهم واعراضهم وسوريا مثال قريب ،فيتحول الندم من الخوف إلى حقيقة.

وسط هذا المشهد، يخيّم الصمت الثقيل. ننظر باتجاه صمت المرجعية التي تدرك أن الكلمة في زمن الاشتعال قد تتحول إلى دم لا يمكن إيقافه، وصمت المؤسسات الدولية التي انكشف زيف حيادها وانتقائية شرعيتها ودماء اهل غزة تبقى شاهد . هذا الصمت لا يعني غياب الفاعلين، بل يعني أن ساحة القرار تُركت مكشوفة، او سلمت لامريكا واسرائيل والتطرف الاعمى ، وأن الناس باتوا وحدهم في مواجهة مأزق أخلاقي وسياسي مركّب.

هنا يتكوّن أخطر أنواع اليأس، لا اليأس من الله، فالإيمان بأن الله خيرٌ مطلق ورحمة مطلقة لا يتزعزع،وهو القادر فوق عباده ، بل اليأس من البشر حين تُغلَق الطرق ويُدفع الناس إلى خيارات كلها مُرّة. هذا اليأس هو ما يريده الفساد في الداخل، وما يراهن عليه الخارج، لأن الإنسان المرهق أخلاقيًا أسهل انقيادًا من الإنسان الواعي.

غير أن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح، ودون رومانسية، هي أن هذا المأزق صُنع ليبدو ثنائيًا، بينما هو في جوهره ليس كذلك. ليس صحيحًا أن البديل عن الفساد هو الإرهاب، ولا أن كل رفض واعٍ يقود إلى الفوضى، ولا أن كل صمت يُعد حكمة. هذه الثنائية هي أخطر كذبة سياسية في هذه المرحلة، لأنها تُعطّل الخيال السياسي وتُصادر أي طريق ثالث.

الخروج من هذا المأزق لا يبدأ بانفجار عاطفي ولا بثورة عمياء،مدعومة من الاعداء، كما لا يبدأ بالاستسلام أو تبرير القبح والفشل والعماله وتجويع الشعب او الاستأثار بأمواله. يبدأ بتفكيك الخوف نفسه. الخوف من عودة الإرهاب لا يجوز أن يكون غطاءً دائمًا لحماية الفساد، والخوف من الخارج لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لقتل أي مشروع إصلاحي في مهده. الوعي هنا ليس صراخًا، بل إعادة تعريف للمخاطر: فالفساد المتجذّر خطر استراتيجي لا يقل فتكًا عن الإرهاب، وتولية الفاشل الذي يأخذ البلاد نحو الافلاس والتجويع اكثر ظلما ،والتدخل الخارجي لا يصبح ممكنًا إلا حين يُمنَح مبررًا داخليًا.

الطريق الثالث، وإن كان ضيقًا وبطيئًا، هو تحويل الرفض من فعل انفعالي إلى موقف عقلاني طويل النفس، يرفض أن يكون أداة بيد الداخل أو الخارج. رفضٌ لا يستدعي التدخل ولا يبرّر العنف، لا يقدّس الصمت ولا يلهث خلف الفوضى، بل يراكم وعيًا اجتماعيًا، ويفضح الوعود و السرديات الكاذبة، ويمنع تقديم أي قوة فاسدة أو أجنبية بوصفها المنقذ الوحيد.

هذا الطريق لا يمنح نشوة سريعة ولا انتصارًا فوريًا، لكنه الوحيد الذي لا ينتهي بندم جماعي. هو طريق بناء مناعة داخلية، لا دولة كاملة بين ليلة وضحاها، بل مجتمع يصعب استغفاله ببرامج حكوميه لاتطبق على ارض الواقع وموازنات كبيرة يتم اتلافها وتقاسمها بين ايدي الفساد، ويصعب شقّه، ويصعب استخدام دمه كورقة تفاوض ليكون جاهزا لزجه بمواجهات غير ضرورية.

أما المفاجآت الإلهية، فلا تأتي دائمًا كما ننتظرها. كثيرًا ما تأتي على هيئة سقوط أقنعة او كشف حقيقة ، أو انكشاف مشاريع مبيته، أو منح الناس وقتًا إضافيًا قبل الكارثة ليختاروا بعقولهم لا بذعرهم. فالله لا يخذل، لكنه لا يمنح الخلاص لمن لم يحسم موقفه من الظلم.لايغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم...

لسنا في لحظة خلاص، لكننا أيضًا لسنا في لحظة هزيمة. نحن في لحظة اختبار وعي، والاختبار الأعمق ليس: من نؤيد؟ بل كيف نرفض دون أن نُستدرج، وكيف نصبر دون أن نتآكل.

ذلك هو الطريق الثالث… طريقٌ بلا هتافات، لكنه الوحيد الذي لا يولد من الخوف، ولا يُسلَّم للخارج.


الاسمبريد إلكترونيرسالة