تحقيق / علي صحن عبد العزيز
كشفت لنا جولاتنا في شارع المتنبي ، بأن عصر الكتاب المطبوع أصبح على شفا بئر النسيان والضياع ، فالباعة يعلو صوتهم (أربع كتب بألفين دينار) ، كان نتيجة تلاشي الكتابة الناضجة فكرًا وثقافة ، وكذلك لقلة المتابعة والنقد الهادف والبناء ، وأصبحت جميع الأمثال والحكم التي قيلت عن الكتاب هباء منثورًا ، ومنها الكتاب خير جليس وغيرها.
(وكالة ضفاف ) تناولت هذا الموضوع مع نخبة من الشعراء والأدباء والمفكرين والاديبات ، وطرحت عليهم هذا السؤال ، هل تعتقد بأن بيع الكتب بهذه الأسعار الرخيصة مؤشرًا على بداية إنهيار المطبوع الورقي والتوجه نحو القراءة الإلكترونية ، أم تراها دافعًا مباشرًا لدفع القراء نحو الكتب أفضل من تكدسها في بطون المكتبات ، وخصوصًا إن أغلب عناوينها أصبحت لا تلائم المرحلة الراهنة؟
وكانت هذه الآراء الواردة.
التخلص من المخزون
الدكتور كريم صبح عطيه : لو سلمنا جدلًا بأن بيع الكتب بأسعار متدنية كهذه المؤشر الأوضح على نهاية عصر الكتاب الورقي، فإن ذلك يفرض على الدول التي تقيم معارض الكتب ذات الصفة الدولية على أراضيها عدم أقامة معارض بصفة كهذا، كما يفرض على دور النشر عدم نشر أي كتاب ورقي وبالنتيجة عدم الأشتراك في المعارض المذكورة ، لا أظن أن بيع الكتب بأسعار مخفضة دليل على نهاية عصر الكتاب الورقي بل ربمّا هي محاولة من بعض الدور التخلص من مخزونها من الكتب القديمة لمصلحة الكتب الجديدة، كما لا ننسى وجود بعض المتخصصين ببيع وشراء الكتب ، الذين يقدمون على شراء المكتبات الشخصية التي تضم كتبا متفاوتة في القيمة والسعر ، فيقدمون على بيع أكثر من كتاب بسعر محدد ، أذن لا خوف على أستمرار الكتاب الورقي.
رداءة المطبوع
عدنان القريشي : في البداية نحاول أن نضع الأشياء في مسمياتها عٌَلنا وصلنا إلى كبد الحقيقة ، فإن مسألة التسويق الحقيقي للكتاب أصبح مبتذلًا وذلك لأسباب كثيرة وأهمها ، أبتعاد الرقابة على المطبوعات من لجان متخصصة من حيث اللغة والنحو والبلاغة، وكذلك ظهور السيشوميديا والانترنت حيث أصبحت الكتب بمتناول اليد بعيدًا عن عناء الشراء والذهاب إلى المكتبات ، كما أن رداءة المطبوع في المطابع الأهلية والأعتماد على الورق الردئ ، وهناك نقطة مهمة وخطيرة وهي العوز المادي عند المثقفين مما يدعهم باللجوء لبيع مكتبته.
قدسية العلم
علي الوائلي : المؤسف والمخجل نرى الكتب تتناثر على أرصفة شارع الثقافة وكأنها سلعة مستهلكة ، ينادى بها بأبخس الأثمان، تناسى بائعها أنها عصارة جهود فكرية وتجارب أنسانية ، أخذت أعمار وسنين كاتبيها ومؤلفيها، وأودت بحياة الكثير منهم بين جدران السجون والمعتقلات، وحبال المشانق والأغتيالات، ومنهم من فقد عقله بالبحث والتنقيب في علوم الأرض والفلك، ماذا لو عاد مؤلف أو كاتب أو باحث أستغرق عمره في كتابة وتأليف بعض تلك الكتب وسمع منادياً ينادي على جهده هذا (بالتنزيلات) ماذا لو وقف عالم فلك أو شاعر أو أديب على تلك الأرصفة ووجد كتابه بسعر علبة سجائر ، لابّد من ثورة أدبية وعلمية وثقافية تعيد للكتاب هيبته وبهاءه.
حداثة التكنولوجيا
قصي المحمود : هناك عدة عوامل موضوعية تراكمية ساهمت في العزوف عن المطبوعات والكتب الورقية وخاصة العراقية منها، وبعض هذه العوامل استثنائية طارئة في العراق أننا لا نملك صناعة النجوم سواء في الأدب أو الفن وتسويقها وبقيت على جهد الكاتب الشخصي لخروج نتاجاته للفضاء العربي وحتى العراقي، إضافة بسبب كثرة المطبوعات التي لا تملك النضوج الفكري والأدبي ولحداثة التكنلوجية الرقمية الإلكترونية في دخولها للعراق، ربما بيع الكتب بهذه الطريقة له مردود إيجابي وسلبي، إيجابي يساهم بشيوع القراءة الورقية ويشجع عليها، ومن ثم المساهمة في صناعة النجم، وسلبيته يؤثر على الكاتب حينما يرى عصارة فكره تباع بهذا الشكل المهين.
ثمن زهيد
إبراهيم الكبيسي : لدينا أزمة قرّاء حقيقية، مما جعل الكثير من العناوين مكدسة في بطون المكتبات وبالتالي أصحاب المكتبات يدفعون بهذه الكتب إلى الباعة ليبعوها بثمن زهيد، والشيء الثاني، منصات التواصل الاجتماعي والتي يعزو لها السبب الأكبر في العزوف عن القراءة، وذلك لإنشغال فئة الشباب في تلك المنصات وترك الكتاب وقراءته مما أثر سلبًا على أسعار الكتب والأهتمام بما تحتويه من علوم.
عوامل موضوعية
لطيف عبد سالم : كثُرَ الحديث في الأوساطِ الأدبيَّة والثقافيَّة عن أفولِ المطبوع الورقي ، ويبدو أنَّ الرؤى بصددِ رَقمَنةِ المطبوعات الورقيَّة في بلادنا مرتهنة بجملةِ عوامل موضوعيَّة، منها الظرف الإقتصادي المتعلق بصعوبةِ الأحوال المعيشيَّة التي ألزمت الكثير مِن المُتلقين النظر إلى المطبوع الورقي بوصفه مِن الوسائلِ الترفيهيَّة التي يمكن تداولها بيسرٍ عبر الشبكة الدوليَّة، فضلًا عن أرتفاع كلف الطباعة التي تسببت في إحجام عشرات المؤلفين عن إصدار مخطوطاتهم ، ظهرت الكثير من المطبوعات الورقيَّة التي لا تتوافق مع متطلباتِ وأسس الكتابة في ظلِ عدم خضوعها للرقابةِ المتأتية مِن ضعفِ المتابعة لأشتراطاتِ الأنظمة واللوائح والقوانين التي تنظم عمل دور النشر والتوزيع، فإنَّ الميلَ لعبقِ الكتاب الورقي والتعلق به من شأنِه المُساهمة في إطلالة دور النشر والمكتبات على عشاقِ الورق الأصفر بالجديد مِن المطبوعات الورقيَّة.
ضرورة المتابعة
مازن جميل المناف : لا شك مستقبل المطبوع الورقي ومدى صموده أمام هذه الهالة من الثورة الألكترونية له جوانب عديدة ومختلفة حالت دون تحقيق الهدف المرجو من تناول المطبوع الورقي، ليأخذ مساحته ومكانته الصحيحة في ظل الثورة الرقمية التي يشهدها العالم لسهولة أيجاده وتناوله السريع، فأصبح بالإمكان قراءة محتوى الكتاب من خلال جهاز الموبايل والحاسوب، وكذلك أنعدام وجود متابعة ومراقبة لما يطرح في الأوساط الأدبية والترويج الهائل للنتاجات، جعل من الأدباء والمثقفين العزوف عن تناول هكذا نتاج لا يسمو إلى الأدب رفعة بصياغاته الصحيحة التي أعاقت الكثير من عدم تناول المطبوع الورقي رغم إنه يبقى أكثر قيمة أدبية يجعلك في عالم آخر محسوس ننتشي فيه المتعة والأحساس ذو قيمة دلالية كبيرة عصية على المطبوع الألكتروني.
مراجع عالية
خالد الباشق : أول أسباب العزوف عن القراءة الورقية هو التوجه إلى السيل الهادر من الوجهة الإلكترونية من منصات وبرامج ومواقع تواصل في الواقع الأفتراضي ، وكان الكتاب هو السبيل الوحيد للمعلومة، وبما إن كل الكتب الورقية توفرت بصيغ الكترونية سهلة القراءة وفي أي وقت ومحمولة بملف صغير لا يأخذ مساحة كبيرة ، وهو ما منح القارئ سهولة عن حمل كتاب أو أكثر بأوزان ثقيلة ، وهناك سبب آخر وهو عدم وجود رقيب أو حسيب على الطباعة فكل ، من كتب شيئًا لجأ لطباعته فأختلط الأمر وأصبح واقعًا مزريًا ، إما المجلدات الحقيقية ذات القيمة الكبيرة فمن المحال الأستغناء عنها أبدًا.
سهولة المعلومة
حماد خلف الشايع : لعل من أسباب العزوف عن القراءة الورقية ، عدم إهتمام الحكومات المتعاقبة بصيانة المنجز الورقي وحمايته وحماية حقوق المؤلف وترك الحبل على الغارب للمطابع تطبع دون حقوق لكل من يرغب ما دام ذلك يعود لها بالربح المادي، مما أفقد الكتاب الورقي قيمته ، أضف لذلك أنفتاح وسائل التواصل وسهولة الحصول على الكتاب والمعلومة بطريقة أسرع وأسهل ، والأهم من ذلك إنهيار المنظومة التعليمية وتفشي الجهل في المجتمع كل ذلك جعل الكتاب الورقي آخر ما يبحث عنه الفرد.
ثمن زهيد
نور أحمد الدليمي : ربما هذا يكون سببًا ممّا جعل أسعار الكتب تنخفض ويكون عرض الكتب بأسعار بخيسة الثمن هو عدم أو قلة تردد القراء إلى المكتبات لشراء واقتناء الكتب ولتعدد وسائل أو سبل تناولها بطرق حديثة ويسيرة ، فالقارئ بدلاً من ان يتحمل عناء التنقل بين المكتبات أو ربما يتحمل عناء السفر لمحافظة أخرى للحصول على كتاب أو شراء كتب كما في السابق ، الآن يمكنه الحصول على الكتاب أو المعلومة مجرد دخوله الشبكة العنكبوتية حيث أنتشار المطبوعات الألكترونية وتحميلها بكل سهولة دون أي عناء ، ولذلك أنخفضت أسعار الكتب الورقية لقلة الإقبال عليها وشرائها .
اندثار الكتب الورقية
أسماء الجميلي : في ظل التقدم والتطور التكنلوجي، هناك حقيقة أن العالم بدأ يتلاشى حينما ابتعد عن القراءة، إلا أن هذا الجيل نستطع القول على أنه أصبح جيلًا إلكترونيًا، فالبعض اليوم يعزى إلى أندثار الكتب الورقية بالشارع الثقافي أو تراكمها في "شارع المتنبي" وبيعها بأسعار هابطة جدًا، قد يصوب هذا الأمر أو يخطأ، لأن المرء اليوم يختلف كثيرًا عن المرء في الماضي، زمانًا كانوا لا يمتلكون أجهزة الجوال وغيرها لذلك أستغلوا وقت فراغهم بقراءة الكتب الورقية، أما اليوم فيقرأوها ألكترونيًا، وهذا ما جعل الكتاب الورقي مركون يسوده الغبار على رف الأيام.
