بقلم الكاتب حسن درباش العامري
شهدت السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا في بنية القوة العسكرية الإيرانية بضل رؤية القيادة الايرانيه المستندة لقراءة الواقع العالمي بشكل واقعي وقراءت مواطن الخطر بشكل دقيق ، لم يعد من الممكن تجاهله أو التقليل من شأنه، لا على المستوى الإقليمي ولا الدولي. فالتطور التقني المتسارع في المنظومتين الدفاعية والهجومية لإيران أخرجها من دائرة الدولة التي تكتفي بامتصاص الضربات أو انتظار ردود الفعل، إلى موقع يمتلك زمام المبادرة وقوة الردع الفاعلة، بعد أن كانت لسنوات طويلة تُقدَّم كطرف محاصر ومقيّد الخيارات.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج مسار طويل من التراكم العسكري والعلمي، مدعومًا بما قدمته كل من الصين وروسيا من تقنيات متقدمة وخبرات نوعية أسهمت في تطوير منظومات الصواريخ والدفاع الجوي والقدرات السيبرانية. وبهذا، لم تعد القوة الأمريكية التقليدية قادرة على فرض معادلات الردع القديمة بنفس السهولة، كما لم تعد إسرائيل تحتفظ بتفوقها المطلق الذي طالما استندت إليه في تهديد دول المنطقة وفرض الوقائع بالقوة.
اليوم، تمتلك إيران مجموعة من الصواريخ والمنظومات القادرة على تغيير مسار أي مواجهة محتملة، ليس فقط من حيث القدرة التدميرية، بل من حيث التأثير الاستراتيجي على مراكز القرار لدى الخصوم. هذه القدرات جعلت كلفة أي مغامرة عسكرية ضدها باهظة وغير مضمونة النتائج بل هي ستقاب كل موازين القوى الاقليميه وتكبح جماح المشروع الارهابي في المنطقه ، الأمر الذي قلب المعادلة من سياسة الرد إلى سياسة الردع المتقدم، وربما إلى ما يمكن وصفه بقوة المبادأة المحسوبة.
وفي هذا السياق، يبرز البعد الإقليمي للتحول الإيراني بوضوح. فالمشاريع التي عملت عليها الولايات المتحدة وإسرائيل لعقود، عبر صناعة جماعات مسلحة وعصابات عابرة للحدود، واستخدامها كأدوات لتفكيك الدول وضرب المجتمعات من الداخل، باتت اليوم تواجه بيئة مختلفة. ما جرى في سوريا من قتل وذبح وتسليم دولة كاملة للفوضى، لم يكن حدثًا معزولًا، بل نموذجًا لمشروع كان يُراد تعميمه على دول أخرى، وفي مقدمتها العراق.
غير أن صعود قوة الردع الإيرانية غيّر الحسابات. فالدول والجماعات التي كانت تُستخدم كأدوات للضغط والتهديد، فقدت تدريجيًا غطاءها الاستراتيجي، وباتت مكشوفة في حال انزلاق الأمور إلى مواجهة مفتوحة. وهذا ما يفسّر حالة التردد والارتباك التي تطغى على الخطاب الأمريكي–الإسرائيلي في المرحلة الراهنة، مقابل تصاعد لغة التحذير بدل التهديد.
الأهم من ذلك أن هذا التفوق العسكري، على عكس ما يُروَّج له، لا يعني بالضرورة السعي إلى الحرب أو إشعال المنطقة، بل قد يشكل عامل توازن يفرض الاستقرار بالقوة الرادعة. فحين تصبح المشاريع المشبوهة مكلفة وغير قابلة للتمرير، وحين يُدرك اللاعبون الكبار أن الفوضى لم تعد خيارًا آمنًا، فإن منسوب المغامرة ينخفض تلقائيًا.
من هنا، يمكن القول إن قوة الردع الإيرانية، إذا ما أُديرت ضمن حسابات سياسية عقلانية وبحكمة القيادات الايرانيه الواعية، قد تفتح نافذة لإعادة ضبط الإقليم، وكبح جماح السياسات التخريبية التي أنهكت شعوب المنطقة، وأغرقتها في الحروب بالوكالة. فالتوازن، مهما كان مصدره، يظل أقل كلفة من الفوضى المفتوحة، وأقرب إلى تحقيق حد أدنى من الأمن والاستقرار في منطقة دفعت أثمانًا باهظة لصراعات لم تكن يومًا من صنع شعوبها.
