علي صحن عبد العزيز
كل من يتابع الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، فإنه يلتمس فوضى نقدية للكثير من القصائد التي لا تستحق سطرًا واحدًا يكتب عنها والكثير منها عبارة عن رص مفردات وطلاسم ما انزل الله بها من سلطان ، بل تجد أغلب هذه النصوص ضعيفة اللغة والتركيب وغامضة الفكرة والرؤية النقدية ، وما زاد الطين بلة أن تصدر الكثير من المجلات تحت عنوان دعم الشعر ، ونحن هنا لا نقف بالضد على كل ما اذكرناه أعلاه ولكننا نرصد ونتابع الكثير من التعليقات على قراءة نقدية استحوذت على نصف الصفحة ، أما على صعيد ردود الأفعال والتعليقات فأنها لا تتعدى أكثر من كلمتين ( نص باذخ ) أو ( قراءة نقدية عميقة ) أو ( ايقاعات لغوية مقحمة ) وهنالك الكثير من السيول اللغوية والمعلبة والجاهزة للصق ليتغلب النقد على النص ، وعليه فإن المشكلة لا تكمن في النقد وهو ضروري للنصوص الأدبية التي تستحق النقد عنها ، ولكن المشكلة والطامة الكبرى حينما يتحول النقد إلى شهادة تجارية يمكن شراءها من أسواق ( بعض ) النقاد ، وهذه الشهادة مزورة بالكثير من الرتوش والمحسوبيات حتى بات بعض من يكتبون الشعر والنقد لا يسمعون إلاّ صوتهم ولا يقرؤن إلاّ ما يكتبونه في حلقة مغلقة لا يخرجون من شرنقتها مطلقًا ، أننا لا نريد أن نسمع التصفيق أو المديح الفارغ ، وكذلك لا نريد قراءات مُغلفة بهدايا ،بل نريد وبوضوح قراءات مختصرة جمالية تؤدي وظيفتها الأساسية من النقد وكذلك فيمٌا يخص كتابة الشعر بشتى أساليبه وأوزانه لكي لا يضيع القارىء بين الشاعر والنقاد ، ولو رجعنا إلى فترة السبعينيات فإن فضاء النشر للقصائد والقراءات النقدية كان بعيد عن كل العلاقات الشخصية والمصالح وحتى المجاملات ، فالنقد حينها كان يشتغل على اللغة والكلمات غير المُنمقة والمرصوفة ولا يكمن أن تطلق كلمة شاعر أو ناقد إلا بعد مخاض صعب للغاية، أما الآن فإن الكثير من الموازين قد اختلفت وأصبح كتاب ( ميزان الذهب في صناعة شعرالعرب) لمؤلفه السيد احمد الهاشمي فيما يخص كتابة الشعر سلعة قديمة بائرة لا جدوى منها على رأي بعض ما يكتبون الشعر وهو رأي ضيّق الأفق وهو بحد ذاته علامة بارزة وخطيرة لا تُميز بين النقد المنطقي وما بين الشاعر الحقيقي لقراءات نقدية مستهلكة في الكثير منها، كما أن القارئ لا يحتاج إلى أن يتعامل مع النص أو القراءة النقدية كمناسبة عادية يتبادل فيها كلمات رسمية متبادلة ، وإنما يحتاج إلى مساحة وفضاء ثقافي ينهض بواقع الشعر والنقد بعمق ومسؤولية مقدستين لا يتحملان المجاملة والأستمالة الثقافية ،فبعض القراءات النقدية الحديثة تظهر عليها صبغة وأطار المجاملة والتلميع أكثر من بقية الفنون الأدبية الأخرى حتى تجد الكثير من النقاد قد مجدوا هذه الشاعرة أو ذلك الشاعر على صفحاتهم الرئيسية أو الإشارة إلى أصدقاء لهم عنوة ودون أخذ موافقتهم، وبالتالي كانت النتائج عكسية وسلبية أكثر مما يتوقعون، أمر انعكست تداعياته على مستوى الناقد والشاعر معًا أكثر من المتلقي بدليل عزوف الكثيرين من القراء والمتابعين حتى على مستوى نزرة التعليقات ، أما على مستوى التقييم من رواد كبار الشعراء والنقاد فأنهم أخذوا جانب الصمت والأبتعاد عن مثل هذه الأجواء الضبابية ، ومن هنا نجد أن كثافة ما يكتب من الشعر لاّبد أن يخضع لمعيار النقد الحصيف بدل من التلميع والأطناب في القراءات النقدية متكاملة الجوانب وليس غير هذا المعنى مطلقًا.
