بقلم // الكاتب والناقد السياسي
حسن درباش العامري
ليست كلُّ الحروبِ تُخاضُ من أجلِ أسبابٍ مُعلنة، بل إن أخطرَها تلك التي تُبنى على ذرائعَ واهية، تُستخدم كغطاءٍ لأهدافٍ مبيّتة. الحرب التي تُشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران لم تكن يومًا حربًا دفاعية كما يُروّج لها، بل هي تعبيرٌ صارخ عن خوفٍ استراتيجي عميق… خوفٍ من تحوّل إيران إلى قوةٍ لا يمكن تطويعها أو احتواؤها.
يُقال إن السبب هو “الخطر النووي الإيراني”،المحتمل ، لكن السؤال الذي يُفجّر التناقض: لماذا يُسمح لإسرائيل بامتلاك ترسانةٍ نوويةٍ ضخمة خارج أي رقابة دولية، بينما يُحرَّم على غيرها حتى مجرد السعي لامتلاك أدوات الردع؟ أليست هذه هي الازدواجية بعينها؟ أم أن القانون الدولي بات يُفصَّل وفق مقاس القوة لا وفق مبادئ العدالة؟
إيران، وعلى مدى عقود، لم تُسجَّل عليها حروبُ غزوٍ أو احتلالٍ لدولٍ أخرى، بينما تاريخ إسرائيل في فلسطين مغمّس بدماء الأبرياء، من المجازر الأولى إلى ما يُشبه الإبادة الجماعية في الحاضر. ولم تكتفِ بذلك، بل وسّعت دائرة اعتداءاتها لتشمل دولًا أخرى، ضاربةً بعرض الحائط سيادة الدول والقوانين الدولية، حتى باتت المحكمة الجنائية الدولية تطالب بمحاسبة قادتها على جرائم ضد الإنسانية.
لكن المفارقة الأكثر إيلامًا ليست هنا… بل في موقف بعض الشعوب العربية، وخصوصًا في دول الخليج، التي تقف في موقع الاتهام لإيران، وتُحمّلها مسؤولية التوترات والحروب، وكأنها هي المعتدي لا المعتدى عليه.
كيف يُفسَّر هذا الانقلاب في الوعي؟
هل أصبح الدفاع عن النفس جريمة؟ وهل بات الرد على مصادر النيران عدوانًا؟ في كل الشرائع—الدينية والإنسانية—يُعدّ ردّ الاعتداء حقًا مشروعًا، بل واجبًا. ومن يفتح أرضه وقواعده وأمواله لدعم العدوان، لا يمكنه أن يدّعي الحياد أو يطالب بالحصانة.
المنطق البسيط يقول: من يشارك في الحرب، يتحمّل تبعاتها.
ومع ذلك، فإن إيران—رغم كل ما تتعرض له—لم تذهب إلى أقصى ما يمكن أن تذهب إليه من ردود. لم تُحوّل المنطقة إلى ساحة شاملة للنار، ولم تستهدف كل مقدرات الدول التي تقف في صف خصومها، بل مارست قدرًا من ضبط النفس، لا يُقرأ في كثير من الأحيان كحكمة، بل يُساء تفسيره كضعف.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى…
العرب لا يقرأون الواقع كما هو، بل كما يُراد لهم أن يروه. إعلامٌ موجَّه، سردياتٌ جاهزة، ومخاوفُ مصنوعة بعناية، تُعيد تشكيل العدو والصديق وفق مصالح القوى الكبرى، لا وفق حقائق الأرض.
إنها ليست أزمة موقف… بل أزمة وعي.
وحين يختلط ميزان العدالة، ويُعاد تعريف المعتدي والمعتدى عليه، تصبح الحقيقة أول ضحايا الحرب.
