محمد البغدادي
منح مجلس النواب العراقي الثقة لحكومة علي فالح الزيدي، لتنتهي بذلك مرحلة التكليف وتبدأ مرحلة الاختبار الفعلي. غير أن قراءة نتائج التصويت ومخرجات الجلسة الأولى تشير إلى أن الحكومة الجديدة دخلت السلطة بأغلبية عددية لا بأغلبية سياسية متماسكة. أغلبية هادئة لا ملتزمة بلغت الأصوات المؤيدة أكثر من 170 صوتاً، وهو ما يكفي لتمرير الكابينة دون حرج. لكن تفاصيل المشهد داخل القاعة تكشف أن التصويت كان تدبيراً لتجنب الفراغ الدستوري أكثر منه التزاماً بمشروع حكومي. الإطار التنسيقي منح الثقة ككتلة، لكن من دون زخم سياسي واضح. الاتحاد الوطني الكردستاني شارك مقابل تفاهمات على ملفات الموازنة والمناطق المتنازع عليها. أما القوى السنية والمدنية فتوزعت بين المشاركة والامتناع، إبقاءً على ورقة المعارضة قائمة. النتيجة أن الزيدي يحكم بلا كتلة ضاربة داخل البرلمان. وهذا يعني أن أي اهتزاز في التوازنات داخل الإطار أو بين بغداد وأربيل سيُترجم مباشرة إلى ضغط على الحكومة. جلسة أولى بلا قرارات حاسمة خطاب رئيس الوزراء في الجلسة الأولى جاء عاماً، ركز على الإصلاح المؤسسي وتمكين الشباب وضبط الحدود، من دون الإعلان عن إجراءات تنفيذية عاجلة. الرسالة واضحة: شراء وقت سياسي لا يقل عن ستين يوماً قبل الدخول في ملفات السلاح والتعيينات والموازنة. وهي مقاربة مفهومة في سياق حكومة توافقية، لكنها لا تمنح الشارع مؤشراً سريعاً على جدية التغيير. إدارة الدولة من خارج مراكز النفوذ التحدي الجوهري أمام الزيدي يتمثل في كونه يقود حكومة وزارات، لا حكومة نفوذ. المناصب السيادية والخدمية موزعة على تكنوقراط، لكن الهيئات المستقلة والمنافذ الحدودية والشركات العامة لا تزال خاضعة لشبكات محسوبة على الكتل التقليدية. فإذا مضى رئيس الوزراء في إعادة ترتيب هذه البنى، سيصطدم بمقاومة مباشرة. وإذا أبقى الوضع على حاله، سيُسجل عليه عجز مبكر عن فرض سلطة الدولة. السيناريو المرجح المؤشرات الأولية ترجّح أن تمضي الحكومة في مرحلة "إدارة أزمة" لمدة 100 يوم، تكتفي خلالها بتسيير الأعمال وتقديم حزمة خدمات محدودة في المحافظات الجنوبية. الاختبار الحقي سيبدأ مع الملف الأول ذي الكلفة السياسية العالية: إما تعديلات في المناصب الأمنية، أو مواجهة مع فصيل مسلح، أو خلاف مع أربيل حول التمويل. عندها سيتضح حجم هامش المناورة الذي يمتلكه الزيدي، وما إذا كانت الحكومة قادرة على التحول من إدارة توافقية إلى سلطة تنفيذية فاعلة. خلاصة حكومة الزيدي نجحت في عبور بوابة البرلمان لأنها مثلت الخيار الأقل كلفة سياسياً. لكن بقاءها مرهون بمعادلة دقيقة: الحفاظ على الحياد النسبي بين القوى، وتجنب الصدام المبكر، وتقديم إنجاز ملموس يعوّض غياب الحاضنة الجماهيرية. وحتى يحدث ذلك، تبقى حكومة عبور بامتياز: تصمد ما دامت الكلفة السياسية لإسقاطها أعلى من كلفة إبقائها.
