JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
الصفحة الرئيسية

وداعاً للأمن الخشن..الزيدي ومحاولة فك عقدة الشارع العراقي


 محمد البغدادي


عبارة "وداعاً للأمن الخشن" لا تصف مجرد تغيير في أساليب الشرطة، بل تعلن نية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والشارع في العراق. لعقدين كان الأمن في العراق يقوم على قاعدة الردع المسبق: حشود عسكرية، حواجز ثابتة، اعتقالات وقائية، واستخدام القوة المفرطة عند أول إشارة احتجاج. هذا النموذج حقق استقراراً هشاً، لكنه كلف الدولة شرعيتها، وحوّل المواطن من شريك محتمل إلى خصم دائم. الموقف المنسوب إلى علي فالح الزيدي برفض "العقوبات الجماعية" و"الملاحقات الأمنية العشوائية" يحمل دلالة أمنية مباشرة.


فكرة العقوبة الجماعية كانت الآلية الأسهل لإدارة الشارع: إغلاق منطقة بأكملها بسبب حادث فردي، قطع الإنترنت، حظر التجوال. هذه الأدوات تخلق وهم السيطرة، لكنها في العمق تزرع استياءً يتحول لاحقاً إلى وقود للاحتجاجات. الانتقال إلى أمن أكثر دقة وانتقائية يعني الاعتراف بأن الأمن لا يتحقق بتخويف الجميع، بل بكسب شرعية وسط الغالبية الصامتة. على مستوى التكتيك، التحول من "الأمن الخشن" إلى "الأمن الناعم" يتطلب بنية استخبارية وأمنية مختلفة. الأمن الخشن لا يحتاج إلى معلومات دقيقة، يكفيه القوة.


أما الأمن الذي يستهدف الفاعل دون الشارع فيحتاج إلى جمع معلومات، عمل استباقي، وحدود واضحة بين الشرطة والجيش. وهنا يكمن الاختبار الحقي: هل المؤسسة الأمنية العراقية قادرة على هذا الانتقال، أم أن غياب قاعدة البيانات والفساد داخل الأجهزة سيعيد إنتاج نفس الممارسات تحت مسمى جديد؟ سياسياً، الخطوة تلامس عقدة مركزية في الدولة العراقية بعد 2003: غياب العقد الاجتماعي. عندما تشعر الجماعات بأن الدولة تحميها ولا تعاقبها جماعياً، يقل ميلها للاحتماء بالفصائل أو العشيرة.


 لذلك فإن "إنقاذ الشارع من العقوبات" ليس شعاراً إنسانياً فقط، بل هو استثمار في نزع شرعية السلاح الموازي. الجماعات المسلحة قوتها الأساسية قامت على سردية "نحن نحميكم من بطش الدولة". إذا سحبت الدولة هذه الذريعة، يصبح بقاء التشكيلات خارج القانون أصعب تبريراً. لكن التحول يحمل مخاطره. أي تراخ في التعامل مع المجاميع المسلحة أو مثيري الشغب سيقرأ ضعفاً، وقد يشجع على اختبار حدود الدولة الجديدة. لذلك فإن النجاح مرهون بمعادلة دقيقة: حزم انتقائي ضد المخل بالأمن، ومرونة واسعة مع حق التظاهر والتعبير.


إعلان نهاية الأمن الخشن في العراق هو اعتراف متأخر بأن القوة وحدها لا تبني دولة. الزيدي إن نجح في تحويل هذا الشعار إلى سياسة ميدانية، سيكون قد فتح باباً لتفكيك واحدة من أخطر حلقات الصراع: دائرة العنف المضاد بين الدولة والشارع. لكن الطريق من الشعار إلى الممارسة طويل، ويمر عبر إعادة بناء ثقة انهارت على مدى عشرين عاماً من الحواجز والاعتقالات.

الاسمبريد إلكترونيرسالة