JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
الصفحة الرئيسية

الديمقراطية بين النص والتطبيق... أين تقف الدولة العراقية؟


الكاتب والناقد السياسي

حسن درباش العامري

يفترض أن العراق يتبنى نظامًا ديمقراطيًا نيابيًا يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها، بحيث تكون الحكومة خاضعة لرقابة ومساءلة مجلس النواب بوصفه الممثل الشرعي لإرادة الشعب. وفي مثل هذا النظام لا تُمنح السلطة التنفيذية صلاحيات مطلقة، بل تمارس مهامها ضمن حدود الدستور والقوانين النافذة، وتبقى مسؤولة أمام البرلمان عن جميع قراراتها وإجراءاتها.

فمجلس النواب لا يقتصر دوره على منح الثقة للحكومة، وإنما يمتد ليشمل مراقبة أدائها ومحاسبة المسؤولين فيها، ابتداءً من الوزير وانتهاءً برئيس مجلس الوزراء. كما أن من واجب الحكومة أن تعمل وفق الضوابط القانونية والتشريعية، وألا تقوم بأي تعيينات أو إجراءات أو تصرفات مالية خارج الأطر التي رسمها القانون.

ومن أهم ركائز العمل الديمقراطي الشفافية المالية، إذ يفترض أن تقدم الحكومة الحسابات الختامية وكشوفات الإنفاق بصورة واضحة ودورية، سواء على مستوى الوزارات أو على مستوى الدولة بأكملها، لكي يتمكن ممثلو الشعب من معرفة أوجه صرف الأموال العامة، ومدى توافق الإنفاق مع الأهداف المعلنة والخطط المرسومة. فالأموال العامة ليست ملكًا للحكومات، وإنما هي ملك للشعب، والحكومة ليست سوى جهة مؤتمنة على إدارتها.

إلا أن المتابع للشأن العراقي يلحظ وجود فجوة كبيرة بين المبادئ التي نص عليها الدستور وبين الممارسات الواقعية. فعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على التجربة الديمقراطية، ما زالت ثقافة المساءلة والمحاسبة تعاني من ضعف واضح، ولم ترتقِ إلى مستوى التحديات التي تواجه الدولة. كما أن حجم الأموال التي أُنفقت خلال العقود الماضية يفرض تساؤلات مشروعة حول كفاءة الإدارة وفاعلية الرقابة وقدرة المؤسسات على متابعة المال العام وحمايته.

ومن جانب آخر، فإن منح الثقة لأي حكومة يجب ألا يكون حدثًا سياسيًا عابرًا ينتهي بمجرد التصويت داخل البرلمان، بل ينبغي أن يمثل عقدًا دستوريًا وأخلاقيًا بين الحكومة والشعب. فالبرنامج الحكومي والمنهاج الوزاري اللذان تُمنح الثقة على أساسهما ليسا مجموعة من الوعود الخطابية، وإنما التزامات محددة يفترض أن تخضع للقياس والتقييم والمتابعة.

وعليه، فإن من حق مجلس النواب ومن واجبه أن يراجع بصورة دورية نسب الإنجاز في مختلف القطاعات، وأن يقارن بين ما تعهدت به الحكومة وما تحقق فعليًا على أرض الواقع، وأن يستجوب المسؤولين عن أسباب الإخفاق أو التأخير أو تعثر المشاريع. فالمساءلة الحقيقية لا تتعلق فقط بكيفية صرف الأموال، بل تشمل أيضًا مدى نجاح الحكومة في تنفيذ ما وعدت به المواطنين.

كما أن من المبادئ الديمقراطية الراسخة ألا تنفرد السلطة التنفيذية باتخاذ القرارات المصيرية التي ترتبط بمستقبل الدولة والتزاماتها الاستراتيجية. فالاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ولا سيما تلك التي يترتب عليها التزامات سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو مالية طويلة الأمد، يجب أن تخضع للنقاش البرلماني والموافقة التشريعية وفق الأصول الدستورية. فالحكومة تمثل الدولة في التفاوض، لكنها لا تملك وحدها حق إلزام الأمة بقرارات مصيرية دون العودة إلى ممثلي الشعب.

إن الديمقراطية لا تعني فقط إجراء الانتخابات وتشكيل الحكومات، بل تعني قبل ذلك بناء مؤسسات قوية تحكمها القوانين وتخضع فيها جميع السلطات للرقابة والمساءلة. كما أنها تتطلب ترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه الأساس الذي تقوم عليه العلاقة بين الدولة وأفرادها، بعيدًا عن الاعتبارات الضيقة القائمة على القرابة أو الانتماء الحزبي أو الفئوي أو المناطقي.لذلك يجب ان يفرض قانون ثابت على منع رئيس الوزراء او الوزير او المدير العام ان لايأتي بأخوته واولاده ونسائبه لانهم يمثلون باب الفساد الاكبر وهم يعتبرون المال العام هو اصبح مال خاص لمن جاء بهم ..

لقد أثبتت تجارب الأمم أن الدول لا تنهض بالولاءات الشخصية، ولا تُبنى بالمحاصصات والعلاقات الخاصة، وإنما تُبنى بالكفاءة والنزاهة والعدالة وتكافؤ الفرص. وكلما اقتربت الدولة من هذه المبادئ ازدادت قوتها واستقرارها، وكلما ابتعدت عنها ازدادت أزماتها وتعقدت مشكلاتها.

إن العراق اليوم بحاجة إلى مراجعة جادة لتجربته الديمقراطية، ليس بهدف هدمها أو التشكيك بها، وإنما بهدف تصحيح مسارها وتفعيل أدواتها الحقيقية. فالديمقراطية ليست نصوصًا مكتوبة في الدستور فحسب، بل هي ممارسة يومية تقوم على الشفافية والمحاسبة وسيادة القانون واحترام إرادة المواطنين.

وعندما تصبح المناصب العامة مسؤولية لا امتيازًا، وتصبح السلطة خاضعة للمساءلة لا فوقها، وتتحول مؤسسات الدولة إلى مؤسسات تعمل لخدمة المواطن لا لخدمة المصالح الضيقة، عندها فقط يمكن القول إن الديمقراطية العراقية قد انتقلت من مرحلة الشعارات إلى مرحلة الدولة، ومن مرحلة الوعود إلى مرحلة الإنجاز.

الاسمبريد إلكترونيرسالة