بقلم: محمد الضبع
كاتب مصري
14 - 07 - 2026
منذ 28 فبراير 2026، والأنظمة العربية والأوروبية تصدر بيانات إدانة لما تسميه بـ "الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق" علماً بأن إيران تستهدف القواعد الأمريكية في تلك الدول والتي تنطلق منها الطائرات والصواريخ المغيرة على أراضيها.
الواضح أن الأنظمة العربية التي دائماً ما تتهم المجتمع الدولي اتباع سياسة الكيل بمكيالين في موقفه من حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وكافة الممارسات الإسرائيلية بحق الشعوب العربية، هي أيضاً تتبع ذات السياسة، فلم نرَ أو نسمع عن بيان عربي يدين الاعتداءات الأمريكية على إيران، أو العدوان السعودي على اليمن.موارد لغوية
اللافت والمضحك بألم شديد أن السلطة اللبنانية تدين ما تصفه بالاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والأردن، وتقول على لسان رئيسها "هناك من يسعى لإبقاء المنطقة بأسرها في حالة دائمة من التوتر والقلق"، في الوقت الذي يشاهد فيه ويسمع ويرى رئيس السلطة اللبنانية وكامل أفراد سلطته الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان (للعلم جنوب لبنان جزء من الدولة اللبنانية) ولم يصدر بيان إدانة إنما تصريحات استجداء من رب البيت الأبيض للضغط واقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بوقف العدوان والانسحاب لو كيلومتر لتحسين صورته أمام داعميه.
أيتها الأنظمة ستقفون يوماً أمام الله سبحانه وتعالى، دون شفاعة من رب البيت الأبيض، أو وساطة أوروبية، أو دعم صهيوني، وسيحاسبكم رب العباد على ما اقترفموه بحق شعوبكم وشعوب فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وليبيا والسودان واليمن. تتدعون في بياناتكم أن إيران تعتدي على سيادة دول القواعد فيما لا يخرج لفظ الإدانة للاعتداءات الأمريكية على سيادة الدولة الجارة بالجغرافيا والدين، نفهم أنكم لا تسمعون ولا ترون وصمٌ بكمٌ أمام ممارسات رب البيت الأبيض، لكن لماذا لا تقولون الحقيقة فيما يخص إيران المدافعة عن سيادتها؟مراجع جغرافية
** شرعية المقاومة والبكاء على السيادة
حين ننزع غلاف الدعاية السياسية الغربية والعربية، ونحتكم إلى لغة القانون الدولي التي يتشدق بها الجميع، نجد أنفسنا أمام نصين حاسمين وضعهما المجتمع الدولي لضبط الاستخدام غير المشروع للقوة:
o الأول: القرار الأممي 3314 الصادر في ديسمبر عام 1974، والخاص بتعريف العدوان (هو استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد سيادة دولة أخرى، أو سلامتها الإقليمية، أو استقلالها السياسي) ونصت المادة الخامسة منه على "أنه لا يوجد أي مبرر -سواء كان سياسياً، اقتصادياً، عسكرياً أو غيره- يمكن أن يُتخذ كذريعة لشن عدوان".
وصنف القرار العدوان بارتكاب الأفعال التالية (غزو أراضي دولة أخرى أو مهاجمتها عسكريا، القصف العسكري أو استخدام أي أسلحة ضد أراضي دولة أخرى، وحصار الموانئ أو السواحل، وإرسال عصابات مسلحة أو مرتزقة لتنفيذ أعمال عسكرية جسيمة ضد دولة أخرى) هيئات تنفيذية
o والثاني: المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تمنح الدول الحق الطبيعي في الدفاع عن نفسها، وفقا للنص "ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص من الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن نفسها، فرادى أو جماعات، إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين".موارد لغوية
بين القرار 3314، والمادة 51، يبرز خلاف تفسيري حاد يعكس ازدواجية المعايير الأمريكية؛ فواشنطن تفسر "الدفاع عن النفس" بموجب المادة 51 بـ "مفهوم مطاطي"، يعطيها الحق في غزو الدول، وقصف العواصم، وإشعال الممرات المائية لحماية ما تسميه "مصالحها الحيوية" أو "تأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز"، معتبرة أي تحرك إيراني لحماية مياهها الإقليمية "تهديداً للسلم الإقليمي".
بالمقابل، تقف طهران على أرض قانونية صلبة؛ فبناءً على نصوص القانون الدولي، ترى إيران أن الحصار الاقتصادي، واحتجاز السفن، والضربات الجوية العسكرية التي تنطلق ضدها هي "أعمال عدوان" مكتملة الأركان. ومن ثمّ، يتفعل تلقائياً "الحق الطبيعي الأصيل" الممنوح لها بموجب المادة 51 للدفاع عن نفسها، فرادى أو جماعات، لردع مصدر النيران.علم الاقتصاد
** الفعل لـ "أمشير" والتهمة لـ "طوبة"
تتباكى الأنظمة العربية في بياناتها على "السيادة المخترقة" جراء الصواريخ الإيرانية التي تستهدف القواعد الأمريكية في الأردن أو العراق أو الخليج. ولكن، أين هي السيادة أصلاً في عالم القانون العسكري؟
وفقاً للقانون الدولي العرفي وقوانين الحرب، فإن الدولة التي تسلّم جزءاً من أراضيها عسكرياً لدولة عظمى، وتسمح لها بتحويلها إلى "منصة انطلاق" لشن غارات وضربات صاروخية ضد دولة جارة، تفقد قانونياً حق الادعاء بأن هذه البقعة "حرم سيادي لا يجوز مسه".
وإيران في حالة الدفاع عن النفس، تستهدف مصدر العدوان لا الدولة المضيفة، فصواريخها ومسيراتها لا تستهدف الجيش الأردني، ولا المؤسسات العراقية، ولا البنية التحتية الخليجية، بل تتوجه بدقة جراحية نحو آلة الحرب الأمريكية الجاثمة هناك. والمفارقة هنا أن الدفاعات الجوية الأمريكية بقواعدها تتصدى لها فتسقط شظاياها فوق الأراضي الخليجية، وهنا ينطبق المثل المصري "الفعل لأمشير والتهمة لطوبة"!!
ما لا يدركه أمين الجامعة العربية والأنظمة العربية، أو يتغافلون عنه عمداً، أنه بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فإن القواعد الأمريكية هي أهداف عسكرية مشروعة، طالما أن الطائرات المغيرة على إيران تنطلق من القواعد في الأردن أو العراق أو الخليج. بالتالي، هذه القواعد بالمفهوم العسكري والقانوني باتت مراكز قيادة وسيطرة معادية، واستهدافها هو رد فعل مباشر لمنع استمرار الهجوم، وليس اعتداءً على الدولة المضيفة.مراجع جغرافية
من هنا وقعت المسؤولية القانونية والأخلاقية كاملة على عاتق الدول التي ارتضت أن تكون أراضيها "ساحة خلفية" للبنتاجون، هي من انتهكت سيادة نفسها أولاً، وخالفت مبادئ حسن الجوار ثانياً، حين سمحت باستخدام أراضيها للاعتداء على جارة مسلمة.
** تتغير الجغرافيا والمسرحية واحدة
من إيران إلى اليمن لم يختلف المشهد؛ فقد تعرض مطار صنعاء يوم الإثنين 13 يوليو 2026 لهجوم جوي سعودي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، كانت تقلّ على متنها ركاباً يمنيين من المرضى العائدين إلى وطنهم بعد تلقي العلاج في إيران، وبصحبة وفد رسمي شارك في تشييع المرشد الشهيد علي خامنئي. وعندما ردت صنعاء باستهداف مطار أبها السعودي كإجراء دفاعي رادع، انطلقت جوقة بيانات الإدانة العربية والأوروبية فوراً تندد بفعلة أهل اليمن!
تناسى المتباكون على السعودية أن اليمن يتعرض منذ عام 2015 لضربات جوية وحصار خانق مستمر من جانب السعودية وتحالفها العسكري، دمر البنية التحتية وتسبب في مأساة إنسانية غير مسبوقة؛ وهو حصار واعتداء يرقى عسكرياً وقانونياً إلى "أعمال العدوان" الموصوفة بدقة وبنداً بنداً في القرار الأممي 3314. لكن في شريعة الغاب الدولية، يُسمح للمعتدي بأن يحاصر ويقصف ويمعن في القتل، بينما تُجرم الضحية بمجرد أن تمارس حقها الشرعي في الدفاع عن النفس بموجب المادة 51!حالات صحية
** الحقيقة المُرّة
إن الصمت العربي والدولي على العربدة الأمريكية والإسرائيلية والسعودية، مقابل الاستنفار السريع لإدانة الرد الإيراني أو اليمني، يؤكد أن القانون الدولي في نظر هذه الأنظمة ليس مظلة للعدالة، بل هو سوط يُجلد به كل من يجرؤ على قول "لا" في وجه الجلاد سواء كان البيت الأبيض أو الرياض.
إيران واليمن لا يبحثان عن حروب، ورفض طهران مقايضة أموالها المجمدة بفتح مضيق هرمز، ورفض صنعاء الركوع أمام الحصار الجوي والاقتصادي، هما أبلغ دليل على أن السيادة والكرامة الوطنية لا تُباع في سوق المقايضات المالية أو التهديدات العسكرية. وعندما تدافع الدول الحرة عن نفسها وتدك القواعد والمطارات التي تقصفها، فهي لا تعتدي على جيرانها، بل تمارس حقاً شرعياً كفله لها ميثاق الأمم المتحدة.. حقيقة واضحة كالشمس، لكنها تعمي أبصار من ارتهنوا عروشهم وضمائرهم لرب البيت الأبيض.
--------------------------------
بقلم: محمد الضبع
