محمود المفرجي الحسيني
لو تمعنا في الشخصيات التي أطاح بها علي الزيدي خلال حملته الأخيرة، لوجدنا أن معظمها لا تنتمي إلى قمة هرم الفساد، ولا إلى المستويات الدنيا، وإنما تمثل ما يمكن تسميته بالطبقة الوسطى من الفاسدين.
وهذه الطبقة هي الأخطر في بنية الفساد الإداري والمالي، لأنها تتولى المواقع التنفيذية والإدارية التي تمنحها القدرة على الوصول المباشر إلى المال العام، وتمرير العقود، وتسهيل الصفقات، واستغلال الصلاحيات، وهي في الوقت نفسه ترتبط، في كثير من الأحيان، بشخصيات سياسية أو إدارية أعلى منها نفوذًا، فتتحول إلى حلقة الوصل بين صاحب القرار والمستفيد من الفساد.
وإذا أخذنا ما تداولته وسائل الإعلام بشأن قضية عدنان الجميلي، وما أُثير عن تنفيذه توجيهات تتعلق بصرف أموال أو منح امتيازات بناءً على رغبات شخصيات سياسية، فإن ذلك يعزز الانطباع بأن الطبقة الوسطى ليست صاحبة القرار النهائي، وإنما تمثل الذراع التنفيذية لشبكات أكبر وأكثر نفوذًا.
ومن هنا، يبدو أن الزيدي لم يتحرك بعشوائية، وإنما اختار نقطة البداية بعناية، وحسب ما نراه في النقاط الاتية:
أولًا: ان الزيدي تجنب الصدام المبكر مع الطبقة السياسية، فلو بدأ حملته بالطبقة العليا من الشخصيات النافذة، لكان من السهل تصوير ما يجري على أنه مواجهة مع القوى السياسية نفسها، وتوجيه الاتهامات له بأنها محاولة لإسقاط التوازنات أو استهداف العملية السياسية برمتها.
أما عندما بدأ بالطبقة الوسطى، فإنه أغلق الباب أمام هذا التفسير، وجعل عنوان الحملة هو مكافحة الفساد، لا الصراع مع الكتل السياسية.
ثانيًا: الزيدي حافظ على العلاقة مع القوى السياسية مع استمرار التحقيقات، وهذا يعبر عن ادراك منه أن أي مشروع إصلاحي يحتاج إلى مساحة من الاستقرار السياسي، ولذلك حافظ على خطوط التواصل مع القوى السياسية، وفي الوقت نفسه فتح ملفات التحقيق مع الشخصيات التنفيذية التي كانت تمثل مفاصل تنفيذ القرار.
وهذه الخطوة تمنحه فرصة للوصول إلى معلومات ووثائق قد تقود لاحقًا إلى الشخصيات التي كانت تصدر التوجيهات أو تستفيد من الأموال أو تحمي شبكات الفساد.
ثالثًا: ضرب الحلقة التي تربط الفاسد الكبير بمؤسسات الدولة
غالبًا ما لا يوقع أصحاب النفوذ على الوثائق، ولا يتولون تنفيذ العقود بأنفسهم، بل يعتمدون على مسؤولين يتولون التنفيذ نيابة عنهم.
ولهذا فإن إسقاط الطبقة الوسطى يعني كسر الحلقة التي تربط القيادات النافذة بمؤسسات الدولة، وهي الحلقة التي ظلت لعقود تؤمن الحماية وتضمن استمرار تدفق المنافع.
رابعًا: ان الزيدي حول المتهمين إلى مفاتيح لكشف الشبكات الأكبر، فالتحقيق مع هذه الشخصيات لا يقتصر على إثبات التهم الموجهة إليها، بل قد يتحول إلى طريق يقود إلى كشف شبكات أوسع، لأن المسؤول التنفيذي يعرف غالبًا من أصدر التوجيه، ومن مارس الضغط، ومن استفاد من القرار.
ولهذا فإن الوصول إلى الطبقة العليا لا يبدأ بالضرورة من الأعلى، بل قد يبدأ من الحلقة التي كانت تنفذ الأوامر.
خامسًا: عندما يرى المواطن أن الدولة بدأت بالفعل بمحاسبة مسؤولين كانوا يُعتقد أنهم فوق المساءلة، فإن الثقة بالحملة تزداد، ويصبح الانتقال إلى ملفات أكبر أكثر قبولًا لدى الرأي العام، وأكثر صعوبة على من يحاول عرقلته.
سادسًا: ان الزيدي استخدم استراتيجية التدرج في المواجهة، وهذا يمنع توحد الخصوم، فلو فُتحت جميع الملفات دفعة واحدة، فقد تجد القوى المتضررة نفسها مضطرة إلى التوحد للدفاع عن مصالحها، أما التدرج في استهداف شبكات الفساد، فإنه يقلل من فرص تشكل جبهة واحدة في مواجهة الحكومة، ويمنحها مساحة أوسع للتحرك وتحقيق نتائج متراكمة.
والأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل المرحلة الأولى من مسار طويل يقود إلى الطبقة العليا من الفساد، أم أنها ستبقى عند حدود الطبقة الوسطى التي بدأت منها الحملة.
