JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
الصفحة الرئيسية

الأداء التمثيلي بين المسرح والتلفزيون.


 د. حاتم مهدي محمد


يعد الأداء التمثيلي جوهر العملية الفنية ومن خلاله يستطيع الممثل أن ينقل إحساس الشخصية وأفكارها ومشاعرها إلى الجمهور إلا أن هذا الأداء يختلف اختلافا واضحًا بين خشبة المسرح وشاشة التلفزيون رغم أن كليهما ينطلق من موهبة الممثل وثقافته وقدرته على التشخيص.

في المسرح يقف الممثل أمام جمهور حاضر يتفاعل معه لحظة بلحظة ولذلك يحتاج إلى طاقة أدائية أكبر وصوت واضح وحركة محسوبة وقدرة على إيصال الانفعالات إلى آخر متفرج في القاعة فالممثل المسرحي يعيش الشخصية من بداية العرض حتى نهايته دون توقف ولا يمتلك فرصة لإعادة المشهد إذا أخطأ مما يتطلب منه تركيزا عاليا وانضباطا كبيرا.

أما التلفزيون فإن الأداء فيه يعتمد بدرجة كبيرة على الكاميرا التي تلتقط أدق التفاصيل في وجه الممثل وعينيه وحركاته ولهذا فأن الممثل التلفزيوني لا يحتاج إلى المبالغة في الحركة أو رفع الصوت لأن الكاميرا قريبة منه وتنقل إحساسه إلى المشاهد مباشرة وقد تكون نظرة واحدة أو حركة بسيطة قادرة على التعبير عن مشاعر عميقة لا تحتاج إلى كلمات.

ومن هنا فإن الممثل الذي ينجح على خشبة المسرح ليس بالضرورة أن ينجح تلقائيا أمام الكاميرا والعكس صحيح فالمسرح يحتاج إلى الحضور والطاقة والصوت والحركة بينما يحتاج التلفزيون إلى الصدق والبساطة والسيطرة على الانفعال والتعبير الدقيق.

كما أن طبيعة العمل تختلف بين المجالين ففي المسرح يعيش الممثل الشخصية ضمن سياق متواصل أمام الجمهور بينما يُصور العمل التلفزيوني غالبا بصورة غير متسلسلة فقد يصور الممثل مشهدا من الحلقة الأخيرة في يوم ثم يعود في اليوم التالي إلى مشهد من الحلقة الأولى وعليه أن يحافظ على التسلسل النفسي للشخصية وتطورها الدرامي.

إن الممثل الحقيقي هو الذي يمتلك القدرة على فهم أدواته ويعرف كيف ينتقل من فضاء المسرح إلى عالم الكاميرا دون أن يفقد هويته الفنية. فالموهبة وحدها لا تكفي بل لا بد من الدراسة والتدريب والثقافة والاطلاع على علوم التمثيل والإخراج والإضاءة والصوت لأن الممثل جزء من منظومة فنية متكاملة.

ومن المؤسف أن بعض الأعمال التلفزيونية اليوم تقدم أداءً تمثيليا يعتمد على الصراخ والمبالغة وكأن ارتفاع الصوت هو معيار قوة الشخصية بينما التمثيل الحقيقي هو القدرة على إقناع المشاهد بأن ما يراه أمامه حياة حقيقية. فالممثل المتمكن لا يمثل الحزن فقط بل يجعلنا نشعر بحزنه ولا يمثل الفرح فقط بل يجعلنا نعيش فرحه.

إن المسرح هو المدرسة التي تمنح الممثل الخبرة والانضباط والحضور والتلفزيون هو المجال الذي يختبر قدرته على التعبير أمام الكاميرا وبين خشبة المسرح وشاشة التلفزيون تبقى القاعدة الذهبية واحدة الصدق في الأداء هو الطريق الأقصر إلى قلب الجمهور.

ولهذا فإن تطوير فن التمثيل في العراق يحتاج إلى الاهتمام بمعاهد الفنون الجميلة وكليات الفنون وأقسام المسرح والسينما والتلفزيون وإعداد جيل جديد من الممثلين القادرين على الجمع بين الخبرة الأكاديمية والموهبة والإبداع لأن الفن الحقيقي لا يبنى بالشهرة وحدها، وإنما بالعلم والممارسة والالتزام.

فالمسرح يصنع الممثل والتلفزيون يختبره، والسينما تمنحه مساحة أخرى للإبداع، وفي جميع هذه الفنون يبقى الممثل الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجعل الجمهور ينسى أنه يشاهد ممثلًا ويؤمن بأنه أمام إنسان يعيش تجربة حقيقية..

الاسمبريد إلكترونيرسالة