بقلم الكاتب الناقد السياسي
حسن درباش العامري
من المؤسف أن يخلط بعض السياسيين بين الدين والسياسة، أو أن يجعلوا المذهب والقومية غطاءً لمواقفهم وأفعالهم. فلكل واحد من هذه المجالات رسالته ووظيفته؛ فالدين منظومة قيم وأخلاق تهدف إلى تهذيب الإنسان، أما السياسة فهي إدارة للمصالح العامة، وتخضع للصواب والخطأ، وللنجاح والفشل، وللمحاسبة القانونية والشعبية.
إن ما شهدناه في العراق خلال السنوات الماضية من كشف قضايا فساد طالت شخصيات تنتمي إلى أحزاب وتيارات ومذاهب وقوميات مختلفة، يؤكد أن الفساد لا دين له ولا مذهب، وأنه ليس حكرًا على جماعة دون أخرى. ولذلك فإن تحميل دينٍ أو مذهبٍ أو قومية مسؤولية فساد شخص أو حزب هو تعميم غير عادل، يسيء إلى ملايين الأبرياء الذين لا علاقة لهم بتلك الممارسات.اما اذا ماوجدت رجل دين دخل المجال السياسي لتظهر عليه مضاهر الترف والتكبر وظهر عليه انه صلر يمتلك القصور والسيارات او قطع شارع كما يفعل بعض السياسيين المتفرعنين فهو سياسي وليس رجل دين ويطبق بحقه مايطبق على غيره من رجال السياسه، ومعروف ان لكل فتره حكم بالطغبان نهايه وحينها تكون نهايته وكلنت على غيره من رجال السياسة الفاسدين ..
وأثناء متابعتي للأخبار كثيرًا ما أجد من يربط فساد سياسي معين بعقيدته أو مذهبه، وكأن جميع أبناء ذلك الانتماء يشتركون في الفساد ذاته. وهذا منطق يفتقر إلى الإنصاف؛ لأن الإنسان يُحاسب على أفعاله هو، لا على انتمائه الديني أو المذهبي وان ارتدى زي رجال الدين، أو القومي.
قد يستشهد البعض بحالات لرجال دين أو شخصيات رفعت شعارات الدفاع عن طائفة أو مكوّن، ثم وُجهت إليها اتهامات بالفساد أو ثبتت عليها مخالفات. لكن هذه الأمثلة، مهما كان عددها، لا تصلح للحكم على دين أو مذهب بأكمله، لأن المبادئ لا تُقاس بأخطاء من ينتسب إليها، وإنما تُقاس بما تدعو إليه من قيم وأخلاق.
وفي المقابل، ينبغي أيضًا التحلي بالحذر قبل إصدار الأحكام القطعية، فالساحة السياسية كثيرًا ما تشهد حملات تشويه وتصفية حسابات، وقد تُستخدم فيها الاتهامات وسيلة لإضعاف الخصوم أو تشويه سمعتهم. ولذلك يبقى الفيصل هو القضاء العادل والأدلة ، ونحن قد ننقل خبر القاء القبض على مسؤول فاسد وجدت بحوزته اموال وذهب وياقوت ومرجان !! ولكننا لن نجزم قبل ان يبت القضاء بتلك التهم سواء الموثقة او غيرها، لا الشائعات ولا الخصومات السياسية.
كما أن غياب الرقابة الفاعلة، وعدم الالتزام بإجراء الحسابات الختامية وتدقيقها، وضعف مؤسسات المساءلة، كلها عوامل تخلق بيئة خصبة للفساد. وليس عبثًا أن يقال: "المال السائب يعلّم السرقة"؛ فحين تغيب المحاسبة، يزداد إغراء العبث بالمال العام.
إن حماية الدين والمذهب والقومية تقتضي إبعادها عن الصراعات السياسية اليومية، وعدم تحويلها إلى دروع يدافع بها الفاسدون عن أنفسهم، أو إلى أهداف يهاجمها خصومهم بسبب أخطاء أفراد. فالدين يبقى دينًا، والمذهب يبقى مذهبًا، والوطن يبقى وطنًا، أما السياسي فهو بشر يخطئ ويصيب، ويجب أن يُحاسب بصفته مسؤولًا أمام القانون، لا ممثلًا لدين أو طائفة أو قومية. بهذه المعادلة وحدها نحمي المقدسات من الاستغلال، ونحمي السياسة من التقديس، ونؤسس لدولة يكون فيها معيار التفاضل هو النزاهة والكفاءة، لا الشعارات والانتماءات.
