JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
الصفحة الرئيسية

سلسلة الوجود بين الوهم والحقيقة: هل نحن نصنع العالم أم نكتشفه؟


 المقال الأول : سؤال الوجود بين الاكتشاف والبناء

د.آمال بوحرب

باحثة وناقدة

تبدو الفلسفة في جوهرها تأملًا عميقًا في العالم يحمل معه قلقًا من العالم حين يفقد بديهيته. يبدأ السؤال الفلسفي عندما يتجاوز ما نراه فيبدو غير كاف، وحين يصبح الواقع نفسه محتاجًا إلى تفسير. في تلك اللحظة بالذات، تظهر الإشكالية الكبرى: العالم موجود كما هو، والسؤال يكمن في كيفية إدراكه، أم أن ظهوره يتأتّى عبر ما تصنعه عقولنا ولغتنا وتجربتنا؟ هذه الإشكالية، على بساطتها الظاهرة، تُعد من أقدم وأكثر القضايا تعقيدًا في تاريخ الفكر الفلسفي.

من الصراع بين الثبات والتغير إلى بنية المعرفة

في الفلسفة اليونانية يظهر السؤال حول الوجود في شكل صراع بين الثبات والتغير. يرى بارمنيدس أن الوجود واحد ثابت لا يتبدل، ويعتبر أن التغير خداع للحواس، ويعبر عن ذلك بأن جملته الشهيرة تقول: “ما هو ثمة، وما ليس فليس، ولا يكون له كون”. يرى هيراقليطس أن كل شيء يجري، وأن الوجود نفسه حركة دائمة لا تستقر على حال، ويعبر عن ذلك بأن جملته الشهيرة تقول: “لا يمكن للإنسان أن يغتسل في النهر مرتين”. بين هذين القطبين، تنشأ الفلسفة بوصفها محاولة للإمساك بما يفلت دائمًا. يُعيد أفلاطون تنظيم التوتر فيرى أن الحقيقة في عالم المثل، ويجعل العالم المحسوس ظلًا أو نسخة ناقصة، ويعبر عن ذلك بأن الأشياء المحسوسة تشارك في المثل، أي تأخذ جزءًا من ماهيتها من عالم الأزل الكامن وراءها. بهذا يصبح المعرفة رحلة من الظاهر إلى الباطن، ومن المتغير إلى الثابت.

يُلاحظ هنا أن تصورات الوجود ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتصور عن المعرفة نفسها. فالثبات عند بارمنيدس والحركة عند هيراقليطس يعبّران عن حالة العالم وعن طبيعة ما يمكن أن نعرفه. يُعيد سقراط أستاذ أفلاطون القول بأن “الحكمة الحقيقية تبدأ عندما يعترف الإنسان بجهله” فيدفع مسارًا يربط الجهل بالبحث عن الحقيقة. من هذا الصراع تُبنى أول محاولة لربط الوجود بالمعارف، وتقع الفلسفة عند مفترق بين الواقع والفكر، تدفع بها إلى تجاوز الوصف إلى التفسير، ومن التجربة إلى النظرية. تُصبح الحقيقة بناء معرفي متشعب، ويعاد التفكير في ماهية ما نُسمّيه عالمًا، ودور الوعي في تشكيله.

من الكون إلى الذات، ومن الشك إلى اليقين

في الفلسفة الحديثة يتحول السؤال إلى الذات. يبدأ ديكارت من الشك، ثم يخرج إلى يقين واحد: “أنا أفكر، إذن أنا أوجد”. هذا ينقل مركز الثقل من الكون إلى الذات، ومن الموضوع إلى الوعي. ثم يأتي لوك وهيوم ليزعزعا فكرة الجوهر الثابت، ويعبران عن أن ما نسميه “الذات” تراكب للانطباعات والتجارب، ويعبر لوك عن ذلك في تعريفه للذات بأنها “تشكيلة متصلة من الانطباعات المتتالية”. مع كانط، يدخل الموضوع مرحلة أكثر تعقيدًا: نحن نعرف الأشياء وفقًا لما يفرضه العقل على التجربة، ونعرفها كما تظهر لنا عبر مقولات العقل وصيغ الحس، ويعبر عن ذلك بأن العالم المعطى لنا هو مفروض من قبل العقل، لا مجرّد نسخ للخارج. في هذا الوضع، لم يعد السؤال: ما العالم؟ بل: كيف يمكن للعالم أن يظهر لنا؟

يُظهر كانط القول بأن “العقل الإنساني لا يستقي قوانين الطبيعة من الطبيعة، بل يفرضها عليها” مؤكدًا أن الوعي الإنساني يشارك في تشكيل معرفة العالم، لا يقتصر على تلقّيها. من هذا التطور يظهر أن المعرفة بناء نشط يُسهم العقل في إنشائه. يرى هيغل أن الحقيقة حركة تاريخية تتكشف عبر التناقض، ويعبر عن ذلك بأن الحقيقة ليست نقطة ثابتة، بل تتحقق في تطور الفكرة عبر التاريخ. فالعقل ينخرط في صراعه ويصنع معناه داخل التاريخ. يذهب نيتشه أبعد حين يرى أن ما نسمّيه حقيقة تأويلات متنافسة، وأن الإنسان يفرض المعنى على العالم من خلال إرادة القوة، ويعبر عن ذلك بأن “الحقائق في جوهرها ليست حقائق، بل تأويلات تُفلت من يد المعرفة المطلقة”. بهذا يتحول السؤال من اكتشاف ما هو إلى صنع ما ينبغي أن يكون، ويُصبح الوجود ميدانًا للاختبار لا مجرد مادة للفكر. تُظهر الفلسفة الحديثة أن الإنسان فاعل يُعيد صناعة واقعه، ويعيد تشكيل معرفته في كل لحظة تجربة.

من الوعي إلى الوجود، ومن الوجود إلى اللغة

في القرن العشرين يصبح السؤال أكثر حدة. يرى هايدغر أن القضية لا تتعلق بمعرفة العالم، بل بكيفية انكشاف الوجود نفسه. يرى أن الإنسان كائن في العالم، ويعبر عن ذلك بأن “الإنسان هو الوجود الذي يُسأل عنه الوجود”، و”لا يمكن للفكر أن يفهم العالم قبل أن يكون الفرد داخله ككيان عاش”. أما سارتر فيرى أن الإنسان لا يملك طبيعة ثابتة، بل يُلقى في العالم ثم يُجبر على أن يصنع ذاته، ويعبر عن ذلك بأن “الوجود الإنساني يسبق ماهيته، والإنسان يُصنع ذاته من خلال الاختيار والمسؤولية”.

يُعبر سارتر عن ذلك بأن قوله الشهير: “الإنسان لا يُولد ككيان مكتمل، بل يُخلق من خلال ما يفعله”. في الفلسفات التأويلية، يرى غادامير أن الفهم يحدث داخل التاريخ واللغة، وأن المعنى يولد في الحوار بين الأفقين، ويعبر عن ذلك بأن “الفهم نتيجة مشاركة بين النص والتاريخ والقارئ، لا انعكاسًا محايدًا عليه”. في الفلسفات ما بعد البنيوية، يرى فوكو ودريدا أن ما نعتبره حقيقة نتاج شبكات من الخطاب والسلطة والاختلاف، ويعبر فوكو عن ذلك بأنه قال: “الحقيقة لا تُكتشف في صدر الواقع، بل تُنتج في ممارسة السلطة والكلام الاجتماعي”. بهذا يتحول السؤال من: ما الحقيقة؟ إلى: من يملك حق تسميتها، وفي أي سياق يُقرّر؟

في هذا السياق، تظهر الفلسفة الوجودية والتأويلية وكأنهما تعيدان بناء العلاقة بين الإنسان والعالم. الإنسان يُستدَعى داخل شبكة من العلاقات والمعاني، حيث يُصبح الفهم والمعنى ممارَسة تفاعلية لا مجرد ملاحظة محايدة. تُعيد الفلسفة التأويلية تعريف الإدراك على أنه حوار، وتفتح الطريق لتفكير يربط بين التاريخ واللغة والوعي في بناء ما نُسميه عالمًا. يُصبح الواقع بناء معرفي مشترك، وتجربة الإنسان مرتبطة بما يُؤوَّل في لغته، وتراثه الثقافي، وخبراته الاجتماعية.

الإدراك كإعادة بناء لا نسخ

يُمكن أن يُفهم الإدراك على أنه إعادة تشكيل للواقع عبر رموز معرفية خاصة. الإنسان يلتقيه من خلال شبكة من المفاهيم والإدراك الأولي. حتى البديهيات الحسية، مثل الزمان والمكان، تنظيمات أولية يُسهم العقل في تأثيثها. يطرح كانط الشك في معرفة الأشياء في ذاتها، ويُبرز أن المعرفة تنقسم إلى الظواهر والمحسوسات، ومع ذلك يُظهر أن الوعي الإنساني يشارك في تشكيلها، ويعبر كانط عن ذلك بأن “المعرفة تبدأ من التجربة، لكنها لا تُولد منها فحسب، بل من خلال تضافر التجربة والذات”. يُعيد نيتشه القول بأن “الإنسان لا يكتشف عالمًا محايدًا، بل يُعيد إنتاجه في لغته وتأويله” مؤكدين أن الإدراك عملية بناء معرفية نشطة، فالعقول تنظّم الواقع وفق أنماط ثابتة، وتُعيد ترتيب ما تراه وفق شبكات من المفاهيم. تتشكل علاقات جديدة بين الإنسان والعالم، تُعيد تشكيل المعنى في كل تجربة، وتجعل من المعرفة مجالًا ديناميكيًا لا ثابتًا. يُصبح الواقع بناء معرفي مشترك، لا صورة مطابقة للعالم كما هو في ذاته، بل تجربة مبنية داخل شروط معرفية واجتماعية وثقافية.

اللغة وحدود الحقيقة

في الفلسفة المعاصرة، يظهر أن اللغة حدًا معرفيًا. العالم يُفكر فيه باللغة، وحدود لغتنا تُشكّل حدود ما يمكن أن نُدركه. يطرح فيتجنشتاين أن حدود لغتي هي حدود عالمي، ويعبر عن ذلك بأنه قال: “حدود لغتي تُحدّد حدود عالمي”. يُعيد القول بأن “العالم هو ما يُمكن تمثيله في لغتي، وما يُقال لا يُقال إلا في لغة معيّنة” ويشير إلى أن ما يُعدّ معرفة يجب أن يُعبّر بهجاء لغوي دقيق.

يُصبح السؤال عن الحقيقة سؤالًا في الوقت نفسه عن لغة تُستعمل في وصفها، وعما إذا كانت هذه اللغة تُمكّن من التفكير في العالم كما هو أم داخل حدودها. يُفتح مسار لتفكير أكثر تواضعًا، يُقرّ بانحصار الإنسان في إطار لغوي معين، ويعيد اعتبار المعرفة كتمثيل محدود لا كنظام نهائي.

الإدراك الفني، والاجتماعي، والإشكالية في العلم

الفن يُعيد تشكيل العالم في بنية رمزية؛ يُمثله ولا ينسخه، ويكشف ما يُخفى في الواقع، ويفتح مسارات تُعيد إدراكه. يُظهر الأديب والشاعر أن تجربة الإنسان لا تُختزل في وصف محايد، بل تُعيد صياغة الواقع في شكل معرفة وتجربة حسية. في هذا الاتجاه، يُصبح النص الأدبي والعمل الفني معملًا إدراكيًا، يُختبر فيه ما يُغيبه الوصف البريء، وتجربة الإنسان تُعيد تشكيل العالم عبر السرد والرمز واللغة. إلى جانب ذلك، تُسهم القيم والعلاقات والممارسات الثقافية في تشكيل ما يُنظر إليه على أنه “واقع”؛ ما يُعدّ طبيعيًا في مجتمع قد يُنظر إليه على أنه مُفتعل في آخر، وما يُبنى داخل سياقات زمنية ومكانية، لا يُفصل عن تاريخ المجتمع وثقافته. تُظهر الفلسفة أن المعرفة لا تُبنى في مختبر عقلي معزول، بل داخل مجتمع معيّن، يُنتج مفاهيمه وتصوراته عبر الزمن، وتخضع الحقيقة لضغوط ثقافية واجتماعية، ما يجعلها نتاج شبكة من العلاقات لا صورة محايدة للعالم. حتى في العلم، الذي يُنظر إليه بوصفه بناء معرفة محايدًا، تظهر التصورات العلمية مثل نظرية النسبية الخاصة ونظرية النسبية العامة تفسيرات مبنية على نماذج رياضية وافتراضات معرفية، وتعتمد على مفاهيم مبنية، لا على ملاحظة محايدة بسيطة، فيطرح سؤالًا يوحد بين الفلسفة والأدب والعلوم: ما حدود ما يُمكن أن نُدركه، وما دورنا في تشكيل ما يُعدّ واقعًا، وهل العلم يكتشف العالم كما هو، أم يُعيد صناعته وفق أدواته الخاصة؟

الخاتمة

يظهر في تطور الفكر أن الفلسفة لم تتوقف يومًا عن مساءلة العلاقة بين الإنسان والعالم، بين الحقيقة والتمثيل، وبين الوجود والمعنى. يبدو العالم مرة ثابتًا في وجه التغير، ومرة متحركًا في وجه الثبات، ومرة ثالثة يظهر أنه لا ينكشف إلا من خلال الوعي واللغة والتاريخ. لذلك تكمن قيمة الفلسفة في إبقاء الجدل حيًا ومفتوحًا، لأن الإنسان نفسه كائن مفتوح لا يكتمل إلا بالسؤال.وعليه فإذا إ كان كل معنى يتشكل داخل أفق إنساني، فكيف للفلسفة أن تبلغ حقيقة تتجاوز الإنسان، أم أنها محكومة دائمًا بحدوده؟

الاسمبريد إلكترونيرسالة