JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Startseite

الوطنية لا تُقاس برواتب الفقراء ولا الكرامة تُموَّل من جيوب الموظفين


 جواد التونسي

بين الحين والآخر يخرج علينا أحد المحللين أو المسؤولين باقتراحات تبدو بطولية على شاشات التلفزيون، لكنها تنفصل تماماً عن واقع الناس، وآخر هذه الطروحات دعوة المواطنين إلى التبرع براتب شهر كامل للحكومة، تحت شعار أن "الكرامة أغلى من الراتب، لكن يبدو أن أصحاب هذه الدعوات نسوا، أو تناسوا، أن الموظف العراقي لا يستلم راتبه ليضعه في خزنة أو يحوله إلى رصيد للترف، بل لأن خلفه التزامات لا تنتظر الخطب ولا الشعارات، هناك إيجار بيت، وفواتير الكهرباء، وأجور المولدة، والإنترنت، ومصاريف المدارس والكليات، ونقل الطلبة، والأدوية، والغذاء، والوقود، وعشرات الالتزامات الأخرى التي تبتلع الراتب قبل أن يبرد في الحساب المصرفي، من السهل جداً أن يتحدث البعض عن التضحية عندما تكون التضحية من جيب غيره، ومن السهل أن يطالب الموظف بالتبرع، بينما لا يقدم هو كشفاً بما تبرع به من امتيازاته أو مخصصاته أو رواتبه السابقة، الوطنية لا تعني أن يتحمل المواطن وحده كلفة كل أزمة، ولا أن يتحول الراتب، الذي يعتمد عليه في إعالة أسرته، إلى مادة للمزايدات الإعلامية، الكرامة قيمة عظيمة، لكنها لا تتعارض مع حق الإنسان في أن يعيش حياة كريمة، وأن يوفر قوت أطفاله، وأن يسدد التزاماته الشهرية، ولا ينبغي استخدام مفهوم الكرامة في مواجهة الاحتياجات الأساسية للمواطن، وكأن من يرفض التخلي عن راتبه أقل وطنية ممن يطلق الشعارات، إن الخطاب المسؤول يبدأ بفهم واقع الناس، لا بإلقاء الخطب عليهم، والمجتمعات لا تُدار بالمزايدات، بل بالسياسات التي تخفف الأعباء عن المواطنين، لا التي تضيف إليهم أعباء جديدة، الوطنية ليست مسابقة في إطلاق الشعارات، ولا مزاداً لمن يطلب من الناس أن يدفعوا أكثر، ومن يريد أن يقدم درساً في التضحية، فليبدأ بنفسه قبل أن يطالب بها الآخرين، أما تحويل معاناة الموظف إلى منصة للمزايدة، فهو خطاب لا يخفف همّاً ولا يحل أزمة، بل يزيد الفجوة بين من يعيش الواقع ومن يكتفي بالحديث عنه، النقد ينبغي أن يوجَّه إلى الأفكار والسياسات، لا إلى الأشخاص، لأن احترام الناس يبدأ باحترام ظروفهم ومعيشتهم، المفارقة أن بعض من يرفعون شعار "تبرعوا برواتبكم من أجل الكرامة" لا يتحدثون بالقدر نفسه عن تقليص الامتيازات، أو خفض الإنفاق غير الضروري، أو محاسبة الفساد الذي استنزف المليارات، فحين يتعلق الأمر بجيب المواطن يصبح الحديث عن التضحية والواجب الوطني، أما حين يتعلق بالإصلاح الحقيقي، يخفت الصوت فجأ، ولأن المواطن العراقي اعتاد سماع مثل هذه الطروحات، فقد أصبح يميز بين الوطنية التي تُترجم إلى أفعال، والوطنية التي لا تظهر إلا أمام الكاميرات، فالوطنية ليست أن تطلب من موظف بالكاد يكفي راتبه حتى منتصف الشهر أن يتخلى عنه، بينما يظل أصحاب الامتيازات بمنأى عن أي دعوة مماثلة، إن الكرامة ليست شعاراً يرفع عند الأزمات، بل هي أن يشعر المواطن بالأمان الاقتصادي، وأن يحصل على خدمات لائقة، وأن لا يضطر إلى الاستدانة قبل نهاية الشهر. فالكرامة لا تنفصل عن لقمة العيش، ولا عن الدواء، ولا عن تعليم الأبناء، ولا عن سقف يؤوي الأسر، أما تحويل الموظف إلى "صندوق تبرعات" كلما اشتدت الظروف، فليس حلاً اقتصادياً، بل هروب من مواجهة المشكلات الحقيقية، فالأوطان تُبنى بالإدارة الرشيدة، والعدالة، ومحاربة الهدر والفساد، لا بالاعتماد على جيوب المواطنين لسد كل عج، قبل أن يطالبوا الموظف بالتبرع براتبه، فليجربوا هم أن يعيشوا شهراً واحداً بذلك الراتب نفسه، ويدفعوا منه الإيجار، والكهرباء، والمولدة، والإنترنت، وأقساط الدراسة، والدواء، والغذاء، والوقود، عندها ربما يكتشفون أن الكرامة لا تقف في مواجهة الراتب، بل إن الراتب هو أحد مقومات الحياة الكريمة، وأن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بحجم ما يقدمه الفقير، بل بحجم المسؤولية التي يتحملها أصحاب القرار في حماية لقمة عيشه.

NameE-MailNachricht