د. جواد التونسي
في ملف يثير الكثير من علامات الاستفهام، يتحدث سكان منطقة أراضي بيت بنية عن معاناة يقولون إنها تتعلق بتجاوزات وابتزاز وطلب أموال منهم مقابل السماح لهم بالبناء أو الاستمرار بالسكن، وإذا كانت هذه الادعاءات صحيحة، فإن القضية لم تعد مجرد خلاف على أرض أو إجراءات بلدية، وإنما تتحول إلى ملف يستوجب التحقيق القانوني العاجل ومحاسبة كل من يثبت تورط، المواطن الذي دفع مئات الملايين من الدنانير من أجل أن يبني بيتاً ويؤمّن سقفاً لعائلته، لا ينبغي أن يجد نفسه أمام واقع غريب، هو ان يدفع ثمن الأرض، ثم ثمن البناء، ثم يجد نفسه مطالباً بدفع مبالغ غير قانونية حتى يستطيع أن يعيش في منزله، والسؤال الساخر هنا، " هل أصبح المواطن العراقي مطالباً بدفع "ضريبة السكن" لمن يملك القوة على الأرض؟ وهل تحولت بعض المناطق إلى مكاتب جباية خارج القانون؟ إن كانت هناك مخالفات قانونية على الأراضي أو الأبنية، فالمعالجة يجب أن تكون عبر الجهات الرسمية والقضاء والدوائر البلدية المختصة، وليس عبر فرض الأتاوات أو ابتزاز السكان، وإذا كانت الأراضي بالفعل ذات وضع قانوني سليم كما يقول أصحابها، فهنا تقع المسؤولية على الجهات المختصة لإكمال الإجراءات الأصولية وحسم الملف بصورة واضحة وشفافة، ومن هنا تبرز ضرورة أن تقوم أمانة بغداد، والجهات المالكة لأراضي بيت بنية، وقسم التجاوزات في القسم البلدي لمدينة الزعفرانية، كلٌّ حسب اختصاصه، بمراجعة الملف بالكامل، وتحديد الوضع القانوني للأراضي، ومعرفة الجهة المخولة قانوناً بالسماح بالبناء أو منعه، وقطع الطريق أمام أي شخص يحاول استغلال حاجة المواطن لتحقيق منفعة شخصية،أما إذا ثبت وجود رشاوى أو أتاوات أو ابتزاز، فالقضية يجب أن تأخذ مسارها القانوني الكامل، لأن المال الذي يُؤخذ من المواطن تحت الضغط ليس "إكرامية" ولا "مساعدة"، بل إن ثبتت الواقعة فهو اعتداء على حق المواطن وعلى هيبة الدولة، حيث ان المواطن ليس بقرة حلوباً، المواطنون الذين يقولون إنهم أنفقوا مئات الملايين من الدنانير لبناء مساكنهم لم يفعلوا ذلك بحثاً عن الرفاهية، بل بحثاً عن وطن صغير لعوائلهم، بعضهم ربما وضع سنوات عمره ومدخراته في جدران وسقف يحمي أبناءه من الإيجار والتشرد،ولهذا فإن التعامل معهم يجب أن يكون بمنطق القانون أولاً، لا بمنطق القوة والتهديد والابتزاز، إن كانت الأرض قانونية، فليتم تثبيت قانونيتها وإنجاز معاملات أصحابها رسمياً، وإن كانت هناك إشكالات قانونية، فليتم إعلانها بوضوح ومعالجة الملف وفق القانون، أما ترك المواطنين بين مطرقة الجهات الرسمية وسندان أصحاب النفوذ، فذلك لا يبني دولة، بل يفتح الباب للفوض، وفي الختام نوجه رسالة إلى الجهات المختصة مفادها هو ان ملف بيت بنية يحتاج إلى تحقيق إداري وقانوني شفاف، بعيداً عن المجاملات والضغوط، وعلى الجهات المعنية أن تستمع إلى المواطنين، وتدقق في الأموال التي قيل إنها دُفعت، وتحدد المسؤوليات، وتحمي كل مواطن يثبت أنه تعرض للابتزاز، فالدولة التي تحمي المواطن لا تسمح بأن تتحول أرضه وبيته إلى مصدر خوف، ولا تسمح بأن تصبح "الأتاوة" بديلاً عن القانون، والسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً بقوة: من يحمي سكان بيت بنية من الابتزاز إن صحت الادعاءات؟ ومن يحاسب من يضع يده فوق القانون؟ والقانون وحده يجب أن يكون صاحب اليد العليا، لا القوة، ولا الأتاوة، ولا الرشوة.
