بقلم الكاتب والناقد السياسي
حسن درباش العامري ....
قد تبدو بسيطة، لكنها تختصر مأساة وطن كامل. ثم نسمع العبارة التي تكررت حتى كادت تتحول إلى قانون مقدس: «نموت ويحيا الوطن».
لكن السؤال الذي يبدو أن أحداً لا يريد الإجابة عنه: ومن قال إن حياة الوطن لا تكون إلا بموت أبنائه؟ ومن قال إن الوطن لا ينهض إلا على جوعهم وفقرهم وحرمانهم؟
الوطن لا يحيا بموت أهله، بل يحيا بحياة أهله.
يعز بعزتهم، ويكبر بكرامتهم، ويتطور بعلمهم، وتزدهر دولته حين يكون المواطن آمناً على رزقه ومستقبل أولاده، لا حين يُطلب منه أن يصفق للحرمان باعتباره تضحية وطنية.
لسنا ضد التضحية من أجل الوطن، ولا ضد الدفاع عنه حين يتعرض للخطر، ولكن هناك فرقاً هائلاً بين أن يضحي المواطن من أجل بلده في الظروف الاستثنائية، وبين أن تتحول التضحية إلى منهج دائم ،ولماذا يقترن الموت والجوع مع الشعب وحده، بينما يقترن الرفاهيه والأموال مع أصحاب السلطة وهم يحيون في عالم آخر من الرواتب والامتيازات والسيارات والمنافع والمخصصات ليعيشوا في حياة مخملية بترف ونعومة ومزارع وخيول واغلى السيارات الفارهة والنساء.
يا سادة السلطة... أما وصلكم خبر الدول التي جعلت من أبقارها ومزارعها ومصانعها مصدراً لرفاهية شعوبها؟
هناك دول لا تملك نفط العراق، ولا غازه، ولا أنهاره، ولا موقعه الجغرافي، لكنها استطاعت أن تجعل من الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية والعلوم والتكنولوجيا اقتصاداً يعيش منه الإنسان بكرامة. بل إن بعض تلك الدول تستقبل الوافدين إليها فتمنحهم، ضمن قوانينها، قدراً من الحقوق والخدمات والعيش الكريم.
فلماذا يُطلب من العراقي أن يكتفي بالخبز والماء، بينما بلده يجلس فوق ثروات هائلة؟
المشكلة ليست في قلة خيرات العراق، وإنما في طريقة إدارة هذه الخيرات.فليس ذنب الشعب ان تسرق خيراته بل ذنب من تصدى لقيادته.
العراق ليس بلداً فقيراً، وإنما بلدٌ أُرهق بسوء الإدارة والفساد والمحاصصة وضعف الرقابة، حتى أصبح المواطن يسمع كل يوم عن مليارات ضائعة أو أموال مختلسة أو عقود مشبوهة، واصبح الجميع يعرف ان هنالك من يسمح للسراق بالهروب ثم يتم بعدها اثارة اخبار سرقاتها ثم يُطلب من الشعب في النهاية أن يتحمل ويصبر ويشد الحزام.
أي حزام هذا الذي تريدونه من مواطن لا يجد أحياناً ما يربط به خصره؟
كيف تريدون منه أن يصدق أن الدولة فقيرة، ثم يسمع عن ثروات وأموال طائلة تختفي هنا وهناك؟
وكيف يمكن أن تحدث سرقات بمليارات الدولارات والدنانير والذهب داخل مؤسسات الدولة من دون أن تكون هناك سلسلة طويلة من الإخفاقات الرقابية والإدارية والمالية؟
أنا لا أريد أن أتهم شخصاً بعينه قبل أن تقول كلمتها الجهات القضائية المختصة، لكنني أتحدث عن المبدأ الذي يجب أن يحكم الدولة:
إذا كان المال العام قد سُرق، فالسؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من سرق؟ بل أيضاً: كيف استطاع أن يسرق؟ ومن كان يراقب؟ وأين الحسابات الختامية؟ وأين التدقيق؟ وأين لجان المراجعة؟ ومن وقّع؟ ومن صادق؟ ومن غض الطرف؟
فالدولة التي تمتلك نظاماً مالياً ورقابياً حقيقياً لا يفترض أن تسمح لشخص واحد بأن يتصرف بمليارات الدولة وكأنها مال شخصي.
وإذا كان هناك مسؤول أو مدير أو موظف استطاع أن يخرج من مؤسسة حكومية بمليارات، فالقضية ليست قضية لص واحد فقط؛ إن ثبتت السرقة قضائياً، فهناك قبل السرقة وبعدها منظومة كاملة يجب أن تُسأل: كيف مرّت الأموال؟ وكيف مرت العقود؟ وكيف مرت الصفقات؟ وأين كانت الرقابة؟
أما أن نلقي القبض على السارق ونغلق الملف، فهذا لا يكفي.
نريد أن نعرف من مكّنه؟ ومن وقّع؟ ومن راقب؟ ومن كان يفترض أن يمنع؟
والأمر ذاته ينطبق على كل مسؤول تثبت بحقه قضايا فساد، أياً كان منصبه أو حزبه أو قوميته أو طائفته.
فلا يجوز أن يكون القانون قوياً على المواطن وضعيفاً أمام صاحب النفوذ.لانه هذا ستجب اعادة النظر بمن يشغل المنصب،
ولا يجوز أن تكون وظيفة النائب أن يشرّع القوانين ليحصل على امتيازات يحددها لنفسه، بينما المواطن الذي انتخبه يبحث عن فرصة عمل أو ينتظر خدمة أساسية.
البرلمان ليس نادياً للامتيازات، والمنصب العام ليس جائزة.
والسياسي الذي يصل إلى السلطة من خلال أصوات الناس يجب أن يتذكر دائماً أن المال الذي يحصل عليه هو من مال الدولة، وأن الدولة في النهاية هي المواطن.
وإذا كانت هناك قضايا متداولة عن أموال ضخمة أو سيارات فارهة أو ممتلكات أو إسطبلات خيل أو غير ذلك من مظاهر الثراء لدى بعض المسؤولين، فليكن السؤال بسيطاً جداً:
من أين لك هذا؟
ليس اتهاماً، وإنما سؤال دولة.
ليقدم المسؤول إقراره المالي، وتُراجع مصادر أمواله، وتُدقق حساباته، فإن كان كل شيء مشروعاً فليهنأ بماله، وإن كان هناك ما لا ينسجم مع دخله الوظيفي، فهنا يجب أن يبدأ التحقيق.
هذه هي الدولة التي تحترم نفسها.
أما أن يطلبوا من المواطن أن يعيش على الخبز والماء، بينما تتسع دائرة الامتيازات حول أصحاب القرار، فهنا تتحول عبارة «نموت ويحيا الوطن» إلى سؤال أخلاقي وسياسي كبير: أي وطن هذا الذي يموت أبناؤه لكي يحيا بعض المتنفذين؟
لقد آن الأوان لأن نغيّر هذه المعادلة.
لا نريد وطناً يحيا على دماء أبنائه وجوعهم.
نريد وطناً يحيا بأبنائه.ويرفع ابناءه ويحافظ على كرامتهم ويقدس دمائهم ،كي لايتمادى الاخرين عليه ويتطاولوا عليه ،
نريد عراقاً يأكل فيه الفلاح من أرضه، والصانع من مصنعه، والموظف من راتبه، والشاب من عمله، والطفل من مستقبل بلده.
نريد دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى واسطة لكي يحصل على حقه،ولاتباع فيه فرص العمل بالدولار !! ولايشتري فيه المسؤول منصبه ليجعله فرصة استثماريه يقبضها من جيوب الفقراء او من مستوى الخدمات المقدمه لهم، ولا إلى حزب لكي يجد وظيفة، ولا إلى مسؤول لكي يحصل على خدمة يفترض أن تكون حقاً له.
ونريد مسؤولاً يعرف أن المنصب تكليف وليس تشريفاً، ومسؤولية وليس غنيمة.
أما الذين يكررون على مسامعنا أن العراق تحرر على أيديهم، وأنهم وحدهم أصحاب الفضل في كل ما حدث بعد 2003، فالتاريخ لا يُكتب بالروايات الشخصية.
كل طرف له أن يقدم روايته، لكن العراقي الذي عاش تلك المرحلة شاهد على ما جرى، والتاريخ له وثائق وأحداث ووقائع، وليس ملكاً لأحد. فلا امتيازات خدمات جهاديه !! ولا مرتبات لشخص هرب من الطاغيه ليورث لزوجاته الاجنبيات واولاده الذين لايعرفوا من العراق الا اسمه مرتبات ترهق الموازنات او تستقطع من قوت المواطن الفقير !!
ومن حقنا أن نسأل أيضاً:
إذا كان تحرير العراق هو القضية، فلماذا لم يتحول هذا التحرير بعد أكثر من عقدين إلى دولة أكثر قوة وعدالة ورفاهية؟
لماذا بقي المواطن ينتظر الكهرباء والماء والخدمات وفرصة العمل؟
لماذا ما زال الفساد قادراً على ابتلاع المليارات؟
ولماذا ما زال المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؟
لا نريد أن يموت المواطن لكي يحيا الوطن.
نريد أن يحيا المواطن ويحيا الوطن معه.
فالوطن الذي لا يستطيع أن يحفظ كرامة مواطنه، لا يحتاج إلى مزيد من الخطب عن التضحية، بل يحتاج إلى دولة حقيقية، وقانون حقيقي، ورقابة حقيقية، ومحاسبة حقيقية.
وعندها فقط نستطيع أن نقول:
نموت من أجل الوطن حين يحتاجنا لاننا لن نكون بكرامة حقيقيه بدون وطننا وسنفديه بكل مانملك... لكننا في أيام السلم نريد أن نعيش من أجل الوطن، ونراه يعيش بنا، لا على حسابنا.
(((الى صديقي وزميلي العزيز )))
