JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
الصفحة الرئيسية

أنا اخترت طريقي


 حسن درباش العامري...

كنت أقف ذات يوم في ساحة واسعة، تتفرع منها طرق كثيرة، وكان يحق لي أن أختار أي طريق أشاء، بل كان يحق لي أيضاً، إن سلكت أحدها ولم يعجبني، أن أعود إلى نقطة البداية وأبدأ من جديد.

وأعتقد أن الحياة تشبه تلك الساحة كثيراً.

فالإنسان طوال حياته يقف أمام طرق متعددة، وقد يختار طريقاً ثم يكتشف بعد مسافة أنه لم يكن الطريق الذي يشبهه، فيعود، أو يواصل مرغماً، أو يقرر أن يدفع ثمن اختياره حتى النهاية.

أما أنا، فعندما أختار طريقي، فهناك شرطان لا أستطيع التنازل عنهما.

الأول أن يكون الطريق الذي أسلكه يشبهني؛ أن يتطابق مع مبادئي، وما أؤمن به من قيم وأخلاق، وأن أستطيع أن أمشي فيه وأنا أشعر أنني لم أخسر نفسي.

أما الشرط الثاني، فهو أن يوفر لي هذا الطريق حياة تحفظ كرامتي.

لا أبحث عن ثروة طائلة، ولا أريد أن أكون من أصحاب الملايين، لكنني في الوقت نفسه لا أؤمن بأن على الإنسان أن يعيش فقيراً حتى يثبت للآخرين أنه مثقف أو كاتب أو فنان أو صاحب رسالة.لذلك تجدني اعتزلت اللقاءات التلفزيونيه مادامت بالمجان !

لا أريد أن أرى صاحب المهنة الجميلة في حالة مزرية، ولا أن أعتبر الفقر دليلاً على صدق الكاتب، ولا أن أتعامل مع العوز وكأنه وسام على صدر المثقف.

أريد أن أعيش بما يكفيني، وأن أعمل بما يحفظ كرامتي، وأن أكسب من الطريق الذي اخترته من دون أن أبيع نفسي في منتصف الطريق.

قبل أيام وصلتني رسالة من شخص ينتقدني فيها على أسلوبي في الكتابة، وكان مما قاله إن في مقالاتي عيباً واضحاً، هو أنني لا أستخدم الأسلوب الأكاديمي المعقد، وأنني أكتب دائماً بلغة بسيطة، بل ذهب إلى القول إن مقالاتي تفتقر، في الغالب، إلى «البنية الأكاديمية المكتملة»؛ مقدمة تحدد الإشكالية، وبدن تحليلي يعتمد على المعطيات والوقائع، وخاتمة تستخلص النتائج. مع ذكر المصادر !!

أما الموضوعات التي أكتب فيها، فقد وصفها بأنها ثرية ومهمة، وخصوصاً تلك المتعلقة بالشأن العراقي.

قرأتها أكثر من مرة، ولم أغضب.

بل على العكس، أعادتني الرسالة إلى سنوات بعيدة.

كنت يومها أكتب بطريقة مختلفة تماماً. كنت متأثراً بالفكر الأوروبي الحديث، وأحب التبحر في الفكر السياسي الإسلامي، وكنت أستمتع كثيراً باستخدام المصطلحات والمفاهيم السياسية والفلسفية، وربما كنت أعتقد أن تعقيد الفكرة دليل على عمقها، وأن صعوبة النص تمنحه قيمة أكبر.واحترام القارئ

وفي أحد الأيام كتبت مقالاً سياسياً فلسفياً، ثم عرضته على عدد من الزملاء المهتمين بالسياسة.

قرأه أحدهم حتى النهاية، ثم نظر إليّ، وأمسكني من يدي حتى احسست بيدة ترتجف ! وأخرجني من الغرفة.

قلت له:

ـ تفضل دكتور، ماذا هناك؟

قال لي، بكل صراحة:

ـ لدي موضوع خاص!

ثم قال جملة لن أنساها:

«لم أفهم جملة واحدة من مقالك.»

أقسم لي أنه أعاد قراءة المقال أكثر من مرة، وحاول أن يفرغ ذهنه من كل المؤثرات الجانبية، لكنه لم يستطع فهم جملة واحدة.

ثم قال لي إنني كتبت المقال بما سماه ساخراً «الجفرة السياسية».

كان الرجل يخشى أن يدخل في نقاش مع باقي الزملاء حول المقال، وهو لا يستطيع أن يقول كلمة واحدة، ولذلك طلب مني أن أشرح له أولاً الكلمات والمصطلحات السياسية، ثم الجمل، ثم الفكرة، ثم ماذا كنت أريد أن أقول من المقال كله.

جلست معه وشرحت.

ثم أعطيته الورقة.

أخذها معه، وبدأ ينسخها، لأنه أراد أن يحفظ ما فيها ويفهمه، حتى لا يكون سياسياً لا يعرف تلك اللغة.

في ذلك اليوم فهمت شيئاً مهماً جداً.

أنا لا أكتب لكي أثبت أنني أعرف.

أنا أكتب لكي يفهم القارئ.

ومنذ ذلك اليوم قررت أن أغير طريقتي.

قررت أن أكتب بلغة بسيطة، واضحة، مباشرة، وأن أبتعد قدر الإمكان عن المصطلحات المعقدة، وأن لا أستعرض ما أعرفه على حساب من يقرأني.

فالكاتب، في رأيي، ليس من يجعل القارئ يشعر بالجهل لأنه لم يفهمه.

الكاتب الحقيقي هو الذي يمتلك من المعرفة ما يجعله قادراً على تحويل الفكرة المعقدة إلى كلمات يستطيع الإنسان العادي أن يفهمها، دون أن يفقد المعنى أو العمق.

وهنا أصل إلى السؤال الذي أثارته تلك الرسالة:

هل البنية الأكاديمية هي المقياس الوحيد لجودة المقال؟

بالتأكيد لا.

الأكاديمية لها أدواتها ومجالاتها، وهي ضرورية في البحث العلمي والدراسات المتخصصة، حيث تحتاج الفكرة إلى إشكالية ومنهج ومراجع وبيانات واستنتاجات.

لكن المقال السياسي أو الثقافي أو الصحفي ليس بالضرورة بحثاً أكاديمياً.

هناك مقال يكتب لكي يناقش.

وهناك مقال يكتب لكي يحلل.

وهناك مقال يكتب لكي يضع سؤالاً في رأس القارئ.

وهناك مقال يكتب لأنه موقف.

وهناك مقال لا يستطيع الكاتب أن يؤجله إلى الغد، لأنه خرج منه قبل أن يقرر كتابته.

وهذا هو النوع الذي أحب أن أكتبه.

أنا لا أكتب مقالاً لأنني قررت أن أملأ صفحة.

أكتب عندما يحدث شيء يهزني من الداخل.

عندما أرى موقفاً لا أستطيع تجاهله.

عندما أسمع كلمة تستفزني.

عندما أشاهد ظلماً يجعلني أشعر أن الصمت مشاركة فيه.

وعندما أجد أن هناك فكرة تختنق في داخلي وتريد أن تخرج، أجلس وأكتب.

ولهذا فإن كل كلمة في مقالاتي تعني شيئاً.

قد أختلف في التعبير. انا كتبت حول الصراعات العالمية الخفيه وعن ملفات استباراتية دوليه كما كتبت حول قدح من الجبنة من الصناعة العراقيه بعد فطور اجبرني ان القي ذلك القدح في سلة المهملات لاخرج غيره من الصناعات الاجنبيه !!!! كتبت حول كلب صغير (جرو) افترسته كلاب !!

قد أقصر في ترتيب الأفكار.

قد لا ألتزم دائماً بما يراه البعض «البنية الأكاديمية المكتملة».

لكنني أحرص على شيء أهم بالنسبة لي:

أن أكون صادقاً.

لا أريد أن أكتب بلغة لا تشبهني كي أبدو أكثر ثقافة.

ولا أريد أن أستخدم مصطلحاً معقداً وأنا أستطيع أن أقول المعنى بكلمة يفهمها الجميع.

ولا أريد أن أكتب بطريقة تجعل القارئ يحتاج إلى قاموس سياسي حتى يعرف ماذا أريد أن أقول.

لقد اخترت طريقي.

وأعرف أن لكل طريق منتقديه، كما أن لكل طريق جمهوره.

وقد أعود يوماً إلى نقطة البداية إذا اكتشفت أنني أخطأت الطريق، فهذا حق أتمسك به كما أتمسك بحقي في اختيار الطريق أصلاً.

لكنني لن أغير الطريق فقط لأن أحدهم قال لي إن الطريق الآخر أكثر فخامة.

فأنا لا أبحث عن طريق يجعلني أبدو مثقفاً.

أبحث عن طريق يجعلني أشعر أنني أنا.

وإذا استطعت، في نهاية هذا الطريق، أن أعيش بكرامة، وأن أكتب بصدق، وأن أحافظ على مبادئي، وأن يجد شخص ما في كلماتي فكرة تجعله يفكر، أو موقفاً يجعله يعيد النظر، أو حتى جملة يشعر أنها قالت ما عجز هو عن قوله...

فهذا بالنسبة لي ربح كثير.

أما الأكاديمية، والتعقيد، والمصطلحات الكبيرة، فتظل أدوات.

والكاتب هو الذي يختار الأداة التي تخدم فكرته، لا الأداة التي تجعله يبدو أكثر أهمية.

كل الحب لمن يقرأ كلماتي، سواء اتفق معها أم اختلف.

فأنا لا أكتب لأكسب الجميع...

أنا أكتب كي لا أخسر نفسي.

الاسمبريد إلكترونيرسالة