أتعامل مع النقد مثل المرآة
حاورها / علي صحن عبد العزيز
تعكس أعمال التشكيلية الدكتورة (هالة كوركسيك) ثمة أتجاهات فلسفية وفكرية في آن واحد، وفي ظل هذه الأنعكاسات تولد لوحاتها لتجسد روؤيتها ورغباتها لتجسيد أفكارها في اللوحة من حيث الأدوات وأنماط التعبير الفلسفي ونظرتها للإنسان وأسباب وجوده على الأرض، وهكذا نرى تلك المشاعر تنعكس تلقائيًا على نتاجها الفني ، وهذا ما تؤكده ضيفتنا إذ تقول أن الفن حوار وليس محاضرة ، وأن المدرسة السريالية تمنحها حرية الانتقال بين الواقع واللاوعي، وأن الفكرة والأحساس هما من يقرران لغتهما البصرية .
(وكالة ضفاف نيوز الأخبارية) حاورتها في عدة جوانب وكانت هذه الأجوبة.
* في معرضكِ «أصابع القدر» ثمة كشف جنائي تشكيلي على واقع ما… لمن كانت رسالته؟
- هذا المعرض لم يكن معرضًا موجّهًا إلى شخص بعينه، بقدر ما كان مواجهة مع الإنسان نفسه؛ مع تلك المساحات التي نصنع فيها اختياراتنا، ثم ننسب نتائجها إلى القدر. كنت أبحث في العلاقة الشائكة بين ما نختاره نحن وما يُفرض علينا، بين الحرية والحتمية، وبين الأثر الذي تتركه أفعالنا في حياتنا وحياة الآخرين ، ولذلك يمكن القول إنه يحمل شيئًا من «التحقيق التشكيلي» في النفس البشرية ، أنا لا أقدّم إجابات جاهزة، بل أضع المشاهد أمام أسئلة ربما حاول طويلًا أن يتجنبها: كم مما حدث لنا كان قدرًا حقًا؟ وكم منه كان نتيجة صمتنا، خوفنا، خياراتنا أو تنازلاتنا؟ ورسالتي كانت للإنسان أينما كان، لأنني أؤمن أن الفن الحقيقي يبدأ من تجربة شخصية، لكنه ينجح فقط حين يتحول إلى تجربة إنسانية مشتركة.
* «نون السريالية التشكيلية» إحدى الصفات المميزة في أعمالك… ألم تستوعب بقية المدارس التشكيلية رؤى أفكارك وطموحاتك؟
- لا أتعامل مع المدرسة الفنية بأعتبارها حدودًا يجب أن أبقى داخلها، فالمدرسة بالنسبة لي معرفة، وليست قيدًا فلقد يجد الناقد في أعمالي سريالية أو تجريدًا أو رمزية أو حتى أثرًا تعبيريًا، ولكنني لا أبدأ اللوحة وأنا أقول: سأرسم اليوم لوحة سريالية أو تجريدية وغالبًا أبدأ من الفكرة ومن الإحساس، ثم أتركهما يختاران لغتهما البصرية ،ربما تبدو السريالية قريبة من تجربتي لأنها تمنحني حرية الانتقال بين الواقع واللاوعي، وبين المرئي وما نخفيه داخلنا ، لكنني في النهاية أبحث عن لغتي الخاصة، لا عن الانتساب إلى مدرسة معينة ، وما يهمني هو أن يُعرَف العمل يومًا ما بأنه يحمل بصمة هالة قبل أن يُقال إنه ينتمي إلى هذه المدرسة أو تلك.
* كيف يرى المتلقي الغربي الفن التشكيلي العراقي المعاصر؟ وهل كان لكِ دور في تقريب وجهات النظر؟
- أعتقد أن المتلقي الغربي أصبح أكثر فضولًا تجاه الفن العراقي المعاصر، لكنه في أحيان كثيرة ما يزال ينظر إليه من خلال صورة العراق السياسية أو التاريخية أو المرتبطة بالحروب ، وهنا تأتي مسؤولية الفنان العراقي المعاصر في أن يقول للعالم إن العراق ليس خبرًا سياسيًا فقط، وليس حضارة قديمة فقط، وإنما هو أيضًا مجتمع حي، متغير، مليء بالأسئلة والتناقضات والجمال ، ولذا من خلال مشاركاتي الدولية، كنت حريصة على ألا أقدّم نفسي بأعتباري مجرد «فنانة عراقية» بالمفهوم الفولكلوري، ولا بأعتباري فنانة غربية منفصلة عن جذورها ، أحاول أن أكون جسرًا بين الاثنين ، فعندما يقف متلقٍ في نيويورك أو أوروبا أمام لوحة لفنانة عراقية ويكتشف أن السؤال الذي تطرحه اللوحة يمسه هو أيضًا كإنسان، هنا تنهار المسافات الجغرافية والثقافية ، وهذا بالنسبة لي أحد أهم أدوار الفن: أن نكتشف أننا، خلف اختلاف اللغات والهويات، نحمل مخاوف ورغبات وأحلامًا متشابهة.
* في المعنى العام والفلسفي هنالك علاقة بين اللون وما يريد التشكيلي أن يتركه بعد إكمال اللوحة… لمن تبقى لوحاتك وتركتها الملكية؟
- الملكية القانونية للعمل قد تنتقل إلى مقتنٍ أو مؤسسة أو متحف، لكنني لا أعتقد أن العمل الفني يبقى ملكًا كاملًا للفنان بعد أن يغادر محترفه ،فبمجرد أن أقف أمام لوحة وأشعر أنني انتهيت منها، تبدأ لها حياة أخرى مستقلة عني قد يقتنيها شخص، لكنها في معناها تصبح ملكًا لكل من يقف أمامها ويجد جزءًا من نفسه فيها ، وربما بعد سنوات طويلة لن يعرف المشاهد الظروف التي رسمتها فيها أو حتى قصتي الشخصية، لكنه سيقرأها بطريقته ، أما بشأن التركة التي أطمح إليها، فهي ليست عدد اللوحات التي تحمل اسمي، وإنما أن أترك لغة بصرية وأفكارًا تجعل شخصًا ما بعد غيابي يقف أمام لوحة ويقول: هذه اللوحة جعلتني أفكر بطريقة مختلفة ، وبالنسبة لي، هذه هي الملكية الحقيقية للفن؛ أن يصبح جزءًا من ذاكرة الآخرين.
* ما يُميّز لوحاتك الدقة الشديدة في توظيف اللون مع غرائبية الفكرة… إلاّ تعتقدين أننا نحتاج إلى ردم الهوة مع المتلقي؟
- بالتأكيد نحتاج إلى ردم الهوة، ولكنني لا أعتقد أن الحل يكون بتبسيط الفن إلى درجة إلغاء الغموض منه ، أنا أحب أن أعطي المتلقي مفتاحًا، لكنني لا أريد أن أفتح له جميع الأبواب ، وهنالك فرق بين العمل الغامض والعمل المغلق. الغموض الجميل يدفعك إلى الاقتراب، أما الانغلاق فيطردك من العمل ، ولهذا أحاول أن تكون في لوحاتي نقطة يستطيع المشاهد الدخول منها؛ قد تكون لونًا، شكلًا، حركة أو مفارقة بصرية ، وبعد ذلك يبدأ هو بصناعة قصته الخاصة ، كما أعتقد أن المتلقي أذكى مما يتصور بعض الفنانين ، ليس علينا أن نشرح له كل شيء، بل أن نحترم قدرته على الإحساس والتأويل ، فالفن بالنسبة لي حوار، وليس محاضرة.
* ما مدى تأثير النقد في تقويم العمل التشكيلي؟
- النقد الحقيقي ضرورة للفنان، لأنه يمنحه عينًا ثانية يستطيع من خلالها أن يرى ما لا يراه وهو داخل تجربته ، لكن هنالك فرق كبير بين النقد وبين إصدار الأحكام ، فالنقد الجيد لا يقول للفنان: افعل هذا ولا تفعل ذاك، وإنما يكشف له العلاقات والسياقات ونقاط القوة والضعف في تجربته، ثم يترك له حرية القرار ، ولذلك أستمع إلى النقد، وأحترم الناقد الذي يمتلك معرفة وتجربة ورؤية، لكنني في الوقت نفسه أحمي صوتي الداخلي ، لأن الفنان إذا أصبح يرسم لإرضاء النقاد، أو السوق، أو الجمهور، فقد شيئًا أساسيًا من حريته ، أتعامل مع مع النقد مثل المرآة: أنظر فيها جيدًا، لكنني لا أسمح لها أن تقرر من أكون.
* لابد أن تكون كل البدايات متأثرة بتجربة ما… حدثينا عن ملامح بداياتك ومن المؤثر فيها؟
- أعتقد أن بداياتي الحقيقية سبقت إدراكي بأنني سأصبح فنانة ، فمنذ الطفولة كنت أرى الأشياء بطريقة مختلفة، وأتذكر أن الرسم دخل حياتي مبكرًا جدًا بوصفه مساحة أستطيع أن أقول فيها ما لم أكن أستطيع قوله بالكلمات ، ولقد نشأت في بيئة عراقية تحمل الكثير من الجمال، لكنها تحمل أيضًا منظومة كبيرة من المحظورات الاجتماعية: «لا»، و«عيب»، وما ينبغي أن يقال وما ينبغي أن يبقى صامتًا ، ربما لهذا أصبح الفن بالنسبة لي لاحقًا فعل حرية.
السيرة الذاتية
الاسم : هالة عزيز عبد الهادي
اسمي الفني : هالة كوسياك
Hala Kusiak
مواليد بغداد
عراقية وكندية
التحصيل ماجستير في الترجمة
