بقلم: مشتاق كارلو
ليس كل خروج للأجنبي نهاية للنفوذ وليس كل انسحاب عسكري بداية مكتملة للسيادة في العراق تحمل هذه الحقيقة وزناً أكبر من أي احتفال. فبعد سنوات طويلة من الوجود العسكري الأميركي وإثر انتهاء المهمة العسكرية للتحالف وانسحاب القوات الأميركية يدخل العراق مرحلة جديدة من تاريخه. مرحلة لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها نهاية فصل فحسب بل باعتبارها بداية امتحان حقيقي للدولة العراقية لقد عاش العراق سنوات ثقيلة منذ عام 2003. احتلال حرب إرهاب انقسامات تدخلات إقليمية ودولية ثم صراع طويل مع تنظيم داعش. وفي خضم كل ذلك أصبح العراق في أوقات كثيرة ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين لكن التحدي لا ينتهي بخروج القوات الأجنبية من الأرض العراقية لأن السيادة بمعناها الأعمق لا تتعلق بوجود الجندي الأجنبي وحده وإنما بقدرة الدولة على أن تكون صاحبة القرار في أمنها وسياستها وحدودها وثرواتها وعلاقاتها الخارجية. العراق لا يحتاج إلى أن يستبدل نفوذاً بنفوذ ولا أن ينتقل من مظلة خارجية إلى أخرى. علاقاته مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا وسائر دول المنطقة يجب أن تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام لا على التبعية أو استخدام الأراضي العراقية لخدمة صراعات الآخرين لقد آن الأوان لأن يتحول العراق من ساحة تتنافس عليها القوى إلى دولة تتعامل مع الجميع من موقعها الوطني وهذا يتطلب دولة قوية ومؤسسات قادرة على فرض القانون وقراراً أمنياً موحداً وسلاحاً يخضع للدولة وسياسة خارجية تنطلق من مصلحة العراق أولاً فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود قوات أجنبية وإنما في أن يبقى القرار العراقي قابلاً للتأثير من خارج حدوده أياً كان مصدر هذا التأثير وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن نتعامل مع المستقبل باستخفاف المنطقة تمر بتحولات عميقة، والعراق محاط بملفات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة من مكافحة الإرهاب إلى المياه والطاقة والحدود والعلاقات الإقليمية. وكلما كانت الدولة أكثر تماسكاً أصبح العراق أكثر قدرة على حماية مصالحه وسط هذه التحولات لهذا فإن يوم السيادة ليس مناسبة للفرح فقط بل مناسبة لمراجعة أنفسنا.لقد خرج العراق من مراحل كان يمكن أن تسقط دولاً بأكملها وبقي شعبه متمسكاً ببلده رغم كل ما مر به. وهذه القدرة على الصمود يجب أن تتحول الآن إلى مشروع دولة لا أن تبقى مجرد ذكرى عن سنوات الألم أكبر خدمة نقدمها للعراق هي أن نضع خلافاتنا السياسية جانباً عندما يتعلق الأمر بمستقبل الوطن فالاختلاف حق والتعدد قوة والسياسة جزء من الدولة لكن العراق يجب أن يبقى أكبر من الجميع لا يمكن بناء سيادة حقيقية في مجتمع ممزق ولا يمكن حماية قرار وطني إذا أصبح العراقيون أنفسهم أدوات لصراعات الخارج يجب أن نحافظ على العراق بعيداً عن الحروب التي لا تخصه وأن تكون أرضه أرض سلام لا منصة للصراع وأن تكون علاقاته الخارجية واسعة ومتوازنة وأن يشعر المواطن بأن الدولة موجودة لحمايته وخدمته لا أن يكون هو من يدفع ثمن صراعاتها وأزماتها العراق يمتلك شعباً يعرف معنى الصبر وموارد هائلة وموقعاً استراتيجياً وتاريخاً أقدم من كثير من الأزمات التي حاولت كسره المستقبل قد يحمل تحديات صعبة لكن العراق ليس بلداً بلا خيارات..
