بقلم: حسين زيارة
لم تكن السياسة في أعراف المهاجرين العرب في الغرب يوماً سوى مساحة ضيقة للمطالبة بالحقوق، أو أداة للاحتجاج، أو في أفضل الأحوال تمثيلاً هامشياً في المجالس البلدية والنقابات العمالية. ظلت قمم السلطة التنفيذية في العواصم الأوروبية خطاً أحمر غير مرئي، محاطاً بعقدة نقص تاريخية وتخوف غير معلن لدى الجاليات العربية من فكرة «الترشح للرئاسة» والوصول إلى هرم الدولة. غير أن إعلان الكاتب والرحالة السوري-الفرنسي عدنان النجم عزام ترشحه لخوض انتخابات الرئاسة الفرنسية لعام 2027 كمرشح مستقل، جاء ليقلب هذه المعادلة، واضعاً المهاجرين وأبناء الأصول العربية أمام مرحلة جديدة من الوعي السياسي تتجاوز دور «المتفرج» أو «الضحية» إلى موقع «صانع القرار».
بذور الحلم وثمن المواجهة الأولى
لم يأتِ هذا الطموح من فراغ، بل تمتد جذوره إلى دفاتر الطفولة؛ ففي عام 1969، وكان حينها تلميذاً في الصف السادس الابتدائي، شدّه شغف مبكر بكتاب التاريخ المدرسي متأملاً في واقع عربي متردٍ منذ سقوط الأندلس، فدوّن جملته الشهيرة: «سأصبح رئيساً للجمهورية العربية السورية لأساهم بالتغيير». انغمس في القراءة، وعقد اللقاءات، وانتظم في العمل الحزبي والسياسي، وهو ما وثّقه تفصيلاً في كتابه المرتقب «العرب حين يستيقظون».
لكن هذا الهاجس المبكر بالريادة والتغيير سرعان ما اصطدم بجدار القمع؛ فخلال سنته الثانية في كلية الحقوق عام 1978، استفاقت الأجهزة الأمنية في سوريا على نشاطه ودعوته لتغيير قيادة البلاد، فكان مصيره الاعتقال والتعذيب بالكهرباء، ليخرج بعد فترة مشروطة بمنعه التام من الحديث في الشأن العام، مما دفعه إلى إعادة صياغة أدوات النضال دون التخلي عن الهم العربي.
رسالة على صهوة جواد: من دمشق إلى عواصم العالم
أمام انسداد أفق العمل في الداخل، لمعت في ذهنه فكرة نقل رسالته خارج الحدود؛ فقرر أن يجوب العالم ممتطياً صهوة حصانه ليعرّف الشعوب بالإنسان العربي والشرقي وقيمه الحضارية. وعلى مدى أربع سنوات استمرت قرابة 1300 يوم، شق طريقه من دمشق عبر العواصم الأوروبية وصولاً إلى الولايات المتحدة ليدخل بها حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس عام 1984، وهي الرحلة التي وثقها لاحقاً في مؤلفه «فارس الأمل» (Cavalier de l'espoir).
ومن هذه التجربة الميدانية، أدرك عزام أن ساحة المعركة الحقيقية للتأثير في مصير المنطقة تكمن في أوروبا والغرب عبر مخاطبة الرأي العام الغربي ومقارعته فكرياً. استقر في فرنسا، ودرس الصحافة في المعهد العالي للإعلام بباريس (ESJ Paris)، ومارس التدريس الجامعي متعمقاً في مشروع «الاستغراب» ونقد الهيمنة، وتوجت إسهاماته بنيله وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي برتبة فارس. وحتى بعد استقراره الطويل، لم تنطفئ فيه روح الفارس؛ إذ عاد في عام 2019 ليخوض جولة أخرى على صهوة جواده انطلقت من دمشق، عابرة بغداد، وصولاً إلى موسكو، تأكيداً على عمق الروابط الجيوسياسية بين المشرق وفضاءاته الحيوية.
مسار العودة والمحطة المفصلية
ظل الحبل السري يربطه بوطنه الأم؛ فمع اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011، قرر العودة بعد غياب ناهز ثلاثين عاماً، منخرطاً في العمل السياسي حتى انتُخب نائباً عن محافظة السويداء، متحملاً أعباء الحرب التي طالت حتى منزله ومتحفه الشخصي، وبقي هناك حتى التحول الميداني الكبير وسقوط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ليعود مجدداً إلى فرنسا حاملاً معه خبرة سياسية وميدانية صقلتها عقود من التجربة.
كسر النمطية: من الهامش إلى الإليزيه
يُمثل ترشح عدنان عزام سابقة تاريخية ورمزية كأول شخصية ذات أصول عربية سورية تعلن اقتحام سباق الإليزيه. لعقود طويلة، انحصر النشاط السياسي للمهاجرين ضمن أطر دفاعية بحتة تُعنى بالهجرة ومناهضة التمييز والعدالة الاجتماعية—وهي جبهات خاضها عزام بنفسه حين انتُخب مستشاراً في محكمة العمل بباريس وأطلق «مسيرات تكافؤ الفرص» في منتصف الألفية. إلا أن الاكتفاء بهذه الأطر كرّس موقع التبعية والصف الثاني.
تأتي خطوته اليوم لتكسر حاجز الخوف وتؤكد أن المواطنة الكاملة تعني الشراكة الكاملة في إدارة الدولة؛ فرئاسة الجمهورية ليست حكراً على طبقة سياسية كلاسيكية، بل هي حق ومسؤولية لكل من يمتلك رؤية واستقلالية، بغض النظر عن جذوره الأولى.
الرؤية السياسية: إحياء «الديغولية» واستعادة السيادة
لا يطرح عزام نفسه ممثلاً للأقليات، بل كمرشح سيادي مستقل يستلهم تقاربه القديم مع الفكر الديغولي وتجربة جاك شيراك في التسعينيات. ومن موقعه كرئيس لـ«المنظمة العالمية لدعم سيادة الشعوب»، ورسالته الرمزية من قرية «كولومبي-ليه-دو-إيغليز» (مرقد الجنرال ديغول)، يرتكز برنامجه على محاور رئيسية:
* استعادة القرار الوطني الفرنسي: التحرر من التبعية للسياسات الأمريكية وهيمنة حلف شمال الأطلسي، وبناء سياسة خارجية مستقلة.
* ندية العلاقات الدولية: إرساء جسور متوازنة مع الشرق قائمة على احترام سيادة الدول ورفض التدخلات العسكرية وتغذية الصراعات.
* العدالة الاجتماعية الداخلية: تفكيك احتكار النخب التقليدية للقرار العام وتفعيل تكافؤ الفرص الفعلي لجميع المواطنين.
إن الدرس الذي تقدمه مسيرة عدنان عزام للجاليات العربية ولأبناء المهاجرين في أوروبا يتجاوز مجرد حسابات الترشح وجمع التزكيات؛ إنه دعوة صريحة للتحرر من عقدة الغريب والانتقال من دور المتلقي إلى موقع المبادرة، مؤكداً أن الفارس الذي جاب الأرض لنقل صوت قضاياه قادر على خوض أعتى المعارك السياسية دفاعاً عن سيادة وطنه الجديد وحق أجياله القادمة في قيادته.
