ما يجري في العالم اليوم لا يمكن فهمه كأزمات متفرقة أو صراعات عشوائية. نحن أمام مشروع واحد متعدد الواجهات، تُدار ساحاته بأدوات مختلفة لكن بعقلٍ واحد، وغاية واحدة: إعادة تشكيل العالم بالقوة، لا بالقانون؛ وبالهيمنة، لا بالشراكة.
فلسطين ليست بداية الصراع زمنيًا فقط، بل بدايته الأخلاقية والسياسية. هي المرآة التي انكشف فيها زيف النظام الدولي، ومن خلالها فُهم من يملك حق القتل، ومن يُطلب منه الصمت. ومن فلسطين يمتد الخيط إلى العراق، اليمن، سوريا، إيران، فنزويلا، أوكرانيا، وحتى مناطق تبدو بعيدة مثل جرينلاند. الجغرافيا تختلف، لكن المنهج واحد.
رأس المشروع: عقيدة تفوق لا تعترف بشيء
من يقود هذا المشروع العالمي ليس مجرد تحالف سياسي أو اقتصادي تقليدي، بل نخبة أيديولوجية ذات دوافع دينية متطرفة مقنّعة، لا تؤمن بالقانون الدولي إلا حين يخدمها، ولا تعترف بمبدأ السيادة إلا حين تكون هي صاحبة السيادة.
هذه النخبة:
تملك رأس المال العالمي
وتتحكم بـ الاقتصاد والصناعة
وتُدير الإعلام وتوجيه الوعي
وتربط السياسة بالعسكر بالعقيدة
هي لا ترى نفسها “دولة بين دول”، بل سيدًا فوق النظام. القانون بالنسبة لها مرحلة مؤقتة، والمواثيق أدوات، أما الهدف النهائي فهو التفرد الكامل بالقرار العالمي.
سلاحهم الأخطر: العملاء والوصوليون
لا يمكن لأي مشروع هيمنة أن ينجح دون وكلاء محليين. وهنا يظهر أخطر عناصر المعادلة:
النخب الوصولية التي لا ترى في المنصب أمانة، بل غنيمة؛ ولا ترى في الدولة وطنًا، بل سلّمًا.
هؤلاء:
يبحثون عن “الرأس” ليعلنوا له الخضوع
يقدمون فروض الطاعة السياسية والأمنية
يبررون كل جريمة باسم الواقعية والمصلحة
ويبيعون الدم، والسيادة، والمستقبل مقابل البقاء في السلطة
ومن جاء بآلاف الإرهابيين من شتى بقاع العالم وزرعهم كقنبلة موقوتة في العراق، ليس حالة شاذة، بل نموذج عمل معتمد:
تفكيك الدولة من الداخل، عبر الفوضى لا عبر الجيوش.
إدارة الفوضى بدل الاحتلال
المشروع العالمي الجديد لا يحتل الدول كما في القرن الماضي، بل:
يُنهكها
يُقسّمها
يزرع صراعات داخلية طويلة الأمد
ويتركها معلقة بين الانهيار والبقاء الهش
العراق، سوريا، اليمن… ليست دولًا فاشلة بطبيعتها، بل دول أُفشلت عمدًا لأنها تشكّل عقدًا جيوسياسية خطرة إن استقرت.
لماذا تُستهدف الشعوب الإسلامية؟
لأنها، رغم كل ما تعانيه، ما زالت تمتلك:
قرآنًا لا يخضع للتأويل السلطوي
منظومة قيم تُقيّد الجشع المطلق
ذاكرة حضارية تُقلق دعاة “نهاية التاريخ”
المعركة ليست ضد الدين كطقوس، بل ضد الدين كمنظومة تحرر وعدالة. لذلك يجري:
تشويه الوعي الديني
أو تفريغه
أو تحويله إلى صراع داخلي
إيران والسلاح النووي: جوهر الصراع
رفض امتلاك إيران للسلاح النووي لا علاقة له بالخوف على العالم، بل بالخوف من كسر الاحتكار.
القضية ليست السلاح، بل:
من يملك حق الردع؟
من يحق له أن يقول “لا”؟
امتلاك قوة ردع مستقلة يعني إسقاط منطق السيد والتابع، وهذا ما لا يُسمح به. القانون الدولي هنا ليس مرجعية، بل أداة انتقائية.
الشعوب: بين الاستنزاف والاتباع
اتباع الشعوب لقادتها الفاشلين ليس غباءً فطريًا، بل نتيجة:
إرهاق طويل
كسر متكرر للأمل
إعلام موجَّه
وخوف دائم من المجهول
لكن استمرار هذا الاتباع هو المسار الأسرع إلى الهاوية.
أما أوروبا، التي تبدو أكثر وعيًا اليوم، فهي ليست خارج اللعبة. هي فقط لم تصل بعد إلى دور “التضحية”. حين تُفرض عليها الطاعة مقابل الرفاه، ستنكشف حدود هذا الوعي.
الخلاصة: إلى أين نسير؟
نعم، العالم يقف على حافة الهاوية.
ونعم، النظام القائم يقوده مشروع تفرد وهيمنة لا أخلاق له.
ونعم، منطقتنا هي ساحة الاختبار الأولى.
لكن الأخطر من الظلام… التعايش معه دون موقف.
النجاة لا تكون بالإنكار، ولا بالصراخ، بل بـ:
وعي لا يُشترى
موقف لا يُؤجَّر
ونخب تُحاسَب لا تُقدَّس
التاريخ لم يرحم من فهموا الحقيقة وسكتوا.
وكل مشروع يقوم على الاستعباد، مهما طال، ينتهي حين يُكسر الخضوع.
