بقلم الكاتب والخبير السياسي
حسن درباش العامري
تدخل الولايات المتحدة الأمريكية أي مواجهة محتملة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وهي ليست في ذروة قوتها كما تحاول أن تُظهر، بل في لحظة إنهاك استراتيجي واقتصادي عميق. فاقتصادٌ مثقل بديون كارثية تجاوزت 38 تريليون دولار (اذا ماعرفنا ان الترليون يساوي الف مليار دولار) لا يمكن وصفه إلا كحصانٍ قويٍّ في بنيته، لكنه جريح في عمقه؛ يحاول الجموح رغم النزف، ويغامر بالاندفاع في معركة استنزاف طويلة لا يمتلك لها النفس الكافي.
الخطورة لا تكمن في اندلاع الحرب بحد ذاتها، بل في طبيعتها ومرافِقاتها. فأي صراع مباشر مع إيران، خصوصًا إذا انخرطت فيه “إسرائيل”، لن يكون حرب ضربة خاطفة، بل حرب مطاولة قاسية متعددة الجبهات. وتجربة العقود الماضية تؤكد أن دخول إسرائيل أي حرب إقليمية يعني تلقائيًا إنهاكًا إضافيًا للموازنة الأمريكية، إذ تتحول واشنطن إلى الممول الأول: تسليحًا، ودعمًا لوجستيًا، وتعويضًا للخسائر، فضلًا عن إعادة الإعمار اللاحقة. وبذلك لا تكون الحرب عبئًا عسكريًا فقط، بل نزيفًا ماليًا مفتوحًا على الخزانة الأمريكية.
في المقابل، فإن إيران ليست دولة طارئة على هذا النوع من الصراعات. فالتجربة ليست افتراضًا نظريًا، بل حقيقة موثّقة في حرب الثماني سنوات مع نظام صدام حسين، حينها كانت الجمهورية الإسلامية حديثة العهد، تعيش صراعات داخلية بعد إسقاط الشاه محمد رضا بهلوي، ومع ذلك صمدت ولم تُكسر قاعدتها الاستراتيجية. أما اليوم، فإيران راكمت خبرات عسكرية وأمنية، وبنت منظومات قوة تقليدية وغير تقليدية، وتمتلك سلاحًا غير معلن قد يشكّل مفاجأة صادمة لواشنطن وحلفائها، سواء على مستوى الردع أو توسيع رقعة الاستنزاف.
وهنا، فإن الأموال التي قد تضخها دول الخليج – مهما بلغت – لن تكون كافية لحسم معركة طويلة الأمد مع دولة اعتادت الصبر الاستراتيجي، وتاريخها الحربي قائم على المطاولة لا الحسم السريع، بينما الطرف المقابل يعتمد على التفوق المالي لا النفَس الطويل.
الأزمة الأمريكية لا تتوقف عند الخارج، بل تتعمّق في الداخل. فالولايات المتحدة تعيش حالة احتقان اجتماعي وسياسي متصاعد، تُرجمت بتظاهرات وتحركات جماهيرية واسعة، وانقسام حاد في المجتمع، وفقدان الثقة بالمؤسسات. وأي حرب خارجية جديدة ستضيف وقودًا إلى هذا الغليان الداخلي، ما يجعل الجبهة الداخلية عبئًا آخر على صانع القرار الأمريكي بدل أن تكون سندًا له.
يضاف إلى ذلك عامل غالبًا ما يُهمَل في التحليل السياسي، لكنه مؤثر ماليًا وبنيويًا: موجات البرد القاسية والعواصف الثلجية التي تضرب الولايات المتحدة في هذه الفترة. هذه الكوارث الطبيعية تُلحق أضرارًا مباشرة بمنظومات الكهرباء والطاقة والبنى التحتية، وتحتاج إلى مليارات الدولارات لإصلاحها وإعادة تشغيلها، في وقت تعاني فيه الخزانة الأمريكية أصلًا من عجز متفاقم. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف يمكن لاقتصاد مثقل بالديون، ومضغوط داخليًا، ومتضرر بنيويًا، أن يتحمّل حرب استنزاف خارجية طويلة؟
اقتصاديًا، لم تعد الأزمة مجرد أرقام. الفوائد المتراكمة على الديون ترهق الاقتصاد الأمريكي، وتدفع واشنطن إلى تصدير أزماتها إلى العالم عبر افتعال الهزات والارتدادات الاقتصادية. وقد بدأ العالم يلمس ذلك بوضوح من خلال الارتفاع الحاد في أسعار الذهب والفضة كمؤشرات خوف لا ازدهار. أما الهزة الأخطر، فهي التهديد المتزايد لمكانة الدولار نفسه، في ظل الحديث عن خفض منظم لقيمته وفتح الباب أمام العملات الرقمية كبدائل، وهو تحول – إن وقع – فلن يكون اقتصاديًا فقط، بل زلزالًا جيوسياسيًا يضرب جوهر الهيمنة الأمريكية.
سياسيًا، تآكلت مصداقية الولايات المتحدة بشكل غير مسبوق، خصوصًا بعد سياسات العقوبات الجماعية، والاستيلاء على نفط فنزويلا، والتهديد والابتزاز العلني لدول ذات سيادة، فضلًا عن التصعيد في ملفات حساسة كغرينلاند وكوبا، ناهيك عن الصراع المحتدم مع الصين في الساحات الاقتصادية والتكنولوجية. كل ذلك ساهم في تفكيك صورة “القائد العالمي” وتحويل واشنطن إلى مصدر قلق عالمي دائم.
وعليه، فإن دخول حرب جديدة في الشرق الأوسط، في هذا التوقيت تحديدًا، لا يبدو خيار قوة، بل مقامرة استراتيجية خطيرة قد تسرّع من انكشاف الوهن الأمريكي بدل أن تعالجه. إنها حرب، إن وقعت، لن تختبر قوة إيران وحدها، بل ستكشف إلى أي مدى ما زالت الولايات المتحدة قادرة على تحمّل عالم لم يعد مستعدًا لدفع ثمن مغامراتها.
