يشهد العراق في الوقت الراهن مرحلة حرجة بالغة الحساسية والخطورة، تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة القوى السياسية على إدارة الأزمات وتحقيق استقرار الدولة.
المشهد السياسي الحالي يتسم بانسداد واضح نتيجة استمرار الخلافات حول حسم الاستحقاقات الدستورية،، ما يعكس عجز واضح لدى النظام السياسي عن التعامل مع التحديات الطارئة.
في ظل هذا الواقع، يبرز خطر الانعكاسات الاقليمية والدولية، التي تزيد من تعقيد المشهد، فيما تبقى الحاجة ماسة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية وبناء رؤية سياسية تضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الحزبية والفئوية.
وفي هذا الصدد حذّر الباحث والاكاديمي عمر الناصر من خطورة المرحلة الحالية، مشيراً إلى أن طبيعة هذه التحديات كانت تستوجب من القوى السياسية التعامل بمنطق “حالة الطوارئ”، عبر الإسراع في تشكيل الحكومة وتقديم التنازلات، إلا أن الواقع أظهر استمرار التنافس على المكاسب الفئوية والحزبية، ما يعكس عجزاً واضحاً في أداء المنظومة السياسية.
وبيّن في حديثه مع (ABC العربية) أن التوازنات الدولية، لا سيما بين الولايات المتحدة وإيران، كانت تلعب دوراً أساسياً في تشكيل الحكومات بعد 2003، ضمن سياق إقليمي كان يدفع باتجاه إبقاء العراق في حالة ضعف وتفكك، على حد تعبيره.
ولفت الناصر الى أن المشهد الحالي يتسم بانسداد سياسي واضح، حيث لم تُبدِ الكتل السياسية اهتماماً كافياً بالتهديدات المحيطة، معتبراً أن هذه المرحلة هي بمثابة اختباراً حقيقياً لقدرة الفاعلين السياسيين على إدارة الأزمات.
وأكد أن تمكين السيادة الوطنية يتطلب الخروج من إطار المحاصصة وبناء نظام سياسي جديد قائم على مصلحة الدولة وهذا ما لا تستوعبه القوى السياسية حتى الان رغم خطورة المشهد، مشيراً إلى أن القوى السياسية تبدو “منفصلة عن الواقع”، في ظل استمرار الخلافات وعدم الاتفاق حتى على منصب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء
وأوضح أن القوى السياسية لم تعمل منذ 2003 على بناء مشروع حقيقي لتعزيز السيادة الوطنية، سواء عبر الدبلوماسية أو إعداد فرق تفاوضية فاعلة، او حتى في سلوكها وسياساتها وهو ما انعكس سلباً اليوم على إدارة الأزمات الحالية.
وبيّن أن بعض الأطراف السياسية ما زالت تنتظر مآلات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، لتحديد مواقفها، وهو ما يفسر بطء حسم الاستحقاقات الدستورية.
كما أشار إلى أن المكون السني كان الأسرع في استشعار خطورة المرحلة، عبر حسم ملفاته السياسية بشكل مبكر، بينما يواجه المكونان الشيعي والكردي أزمات مركبة، خصوصاً مع ربط منصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ضمن سلة واحدة، وهو ما اعتبره طرحاً غير منطقي يعقّد المشهد.
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات الأمنية، استبعد الناصر حدوث ضربات وشيكة داخل العراق، معتبراً أن الوقت لا يزال مبكراً لمثل هذه التطورات، في ظل وجود مقترحات دولية لاحتواء التوتر، من بينها مبادرة إسلام آباد التي تتضمن مسارات لخفض التصعيد بين واشنطن وطهران.
وأكد أن الفوضى السياسية الحالية لا تخدم أي طرف، مشدداً على أن الجميع في مركب واحد، وأن أي انهيار سيطال جميع المكونات دون استثناء.
وختم بالتحذير من أن العراق يمر بمرحلة مفصلية في تاريخه الحديث، تتطلب تغليب المصلحة الوطنية والنأي بالنفس عن الصراعات الاقليمية، مع التنبيه إلى وجود تهديدات كامنة، من بينها إمكانية استغلال عناصر تنظيم داعش لاحداث خلل أمني لزعزعة الاستقرار الداخلي.
