محمود الهاشمي
٢٣-٤-٢٠٢٦
لكل دولة في العالم منهج وأسلوب خاص في التعامل مع مفاوضات ما بعد الحرب، يحددهما كلٌ من عقيدتها السياسية وثقافة شعبها، إضافةً إلى نتائج الحرب وتداعياتها على المستويين الداخلي والخارجي.
الولايات المتحدة في تفاوضاتها عند نهاية كل حرب لها مع دول العالم
لها منهجان الاول منهج (الاستسلام ) والذي يتم مع
خصمها (المهزوم )كما كان لها مع اليابان في الحرب العالمية الثانية وبعد استهدافها بقنبلتين نوويتين
الاولى على مدينة هيروشيما في 6 اب اغسطس 1945
والثانية على مدينة ناغازاكي في 9 اب -أغسطس 1945، بعد 3 أيام من قنبلة هيروشيما.
بعدها وقعت اليابان على اعلان بوتسدام في 26يوليو تموز عام 1945الذي وضع شروطا صارمة لاستسلام اليابان اقلها
(الاستسلام لكافة القوات المسلحة اليابانية دون قيد او شرط والاعتراف باحتلال اراضي اليابان ونزع سلاح القوات العسكرية اليابانية تماما )
وقد اعلنت اليابان قبولها بهذه الشروط في نفس العام 1945.
وعام 1951انهت الولايات المتحدة احتلال اليابان مقابل الابقاء على قاعدتين عسكريتين على الاراضي اليابانية مازالت قائمة حتى يومنا وتضم -الان-(٥٥)الف جندي فعلي بالخدمة ..
هذا النوع الاول من تفاوض الولايات المتحدة مع الدول التي تحاربها ثم تفاوضها ..
النوع الثاني التفاوض مع
(الند القوي)الذي يلحق الهزيمة بقواتها ويكلفها خسائر كبيرة في الارواح والمعدات ويلحق الضرر باقتصادها ..
وهذا ماتم مع حربها مع فيتنام وافغانستان والعراق ..
هذا النوع من التفاوض لاتهتم الولايات المتحدة بفقرات الاتفاقية كثيرا بقدر اهتمامها بتوفير نصوص تساعدها على
انسحاب قواتها (الامن)اما فقرات الاتفاقية الاخرى فغالبا
ماتهملها ولاتتفاعل معها الا بقدر حاجتها للبند ومايتطابق مع مصالحها بالمستقبل ..
هذا النوع من الاتفاقيات غالبا ماتضمنه بنودا ونصوصاً
تغري (جهة الخصم )ان يساعدها لانسحاب قواتها
بتسهيلات كثيرة ،طمعاً في امتيازات مستقبلية ،لكن ماان يتم انسحاب قواتها حتى تبدأ
بالنكران للاتفاقية وعدم الإيفاء
بأيد من بنودها ذات الامتيازات ..
بعد الهزيمة التي منيت بها القوات الاميركية التي احتلت العراق عام ٢٠٠٣ وواجهتها
فصائل المقاومة العراقية المتنوعة ،تكون خسائر القوات المحتلة حتى عام 2008 وصلت الى (33 ) الف قتيل
و90 الف مصاب ومعوق غير الخسائر المادية ..
ولغرض تفادي المزيد من الخسائر وقعت الولايات المتحدة مع العراق اتفاقيتين
الاولى اتفاقية أمنية وتتضمن هذه الاتفاقية تحديد «الأحكام والمتطلبات الرئيسة التي تنظم الوجود المؤقت للقوات العسكرية الأميركية في العراق وأنشطتها فيه وانسحابها من العراق» بعد ثلاثة سنوات اي عام ٢٠١١..ولغرض تسهيل انسحاب قواتهم دون ملاحقة وقعوا اتفاقية (تعاون)تسمى (اتفاقية الاطار الاستراتيجي
CSA
والمجالات الرئيسية للاتفاقية تتضمن 11 بنداً في
مجال الأمن والدفاع: دعم القوات العراقية، تبادل المعلومات، والتعاون في مكافحة الإرهاب ومجال
الاقتصاد والطاقةتشجيع الاستثمار، ودعم تطوير القطاع النفطي العراقي
وتعزيز سيادة واستقلال العراق ودعم نظامه الديمقراطي.
وكذلك في مجال الثقافة والتعليم وبرامج التبادل الثقافي والأكاديمي.
جميع البنود اعلاه ومعها نقاط اخرى لم تتفاعل معها الولايات
المتحدة مستفيدة فقط من الاتفاقية الامنية (صوفا)التي أمنت لها خروج قواتهم من العراق عام 2011.
ان الولايات المتحدة كقوة عظمى عسكرية واقتصادية
لاتقبل الهزيمة رغم الانتقادات القاسية التي تتلقاها من الداخل الاميركي سواء من المعارضة او الاعلام او الشارع الاميركي نفسه والذي يخرج بتظاهرات عارمة تنديدا بالحرب وبالخسائر ..لذا تعمد
بالغالب الى استخدام اوراق الحصار الاقتصادي والدبلوماسي وغيرها لحين خضوع خصمها لشروطها ..
واحيانا تفرض مصالحها
للانفتاح على الدولة التي دخلت معها في حرب طويلة او قصيرة توافقاً مع مصالحها رغم قسوة مرحلة الحرب ونتائجها على الطرفين ،كما هو قائم في العلاقة بينها وبين دولة فيتنام والتي مازالت تحكم البلد بذات
عقيدة الحزب (الشيوعي )الذي حررت خلاله بلدها عام 1975،
حيث تم توقيع اتفاقية الشراكة الشاملة (2013-2023) وتعزيز التعاون التجاري والأمني
ورفعت الدولتان علاقاتهما إلى أعلى مستوى (شراكة استراتيجية) خاصة التركيز على التكنولوجيا، أشباه الموصلات، والأمن الإقليمي
وأصبحت الولايات المتحدة أكبر سوق لتصدير المنتجات الفيتنامية، حيث تجاوزت صادرات فيتنام 126 مليار دولار في عام 2025.
وصولا الى التعاون الأمني الذي شمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتعاوناً في الأمن البحري..
ربما الذي دفع بالولايات المتحدة للعلاقة (الاستراتيجية)مع جمهورية فيتنام الاشتراكية هو (التوازن )مع خصمها (الصين )المجاور لفيتنام انذاك ..
صحيح لم تكن هناك حرب مباشرة عسكرية بين ايران والولايات المتحدة وان حجم الحصار ظل محصورا في الجانب الاقتصادي والسياسي الا ان هناك اتفاق "خطة العمل الشاملة المشتركة" بين إيران ومجموعة "5+1"تم عقده
يوم 14 يوليو/تموز 2015
وهو اتفاق نووي وقعته إيران مع مجموعة "5+1″، بهدف الحد من قدرات طهران النووية مقابل رفع تدريجي للعقوبات المفروضة عليها. وبموجب الاتفاق قلّصت إيران من أنشطتها النووية ووافقت على وضعها تحت الرقابة الدولية، غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 أدى إلى تعثره وتصاعد التوترات الإقليمية.
ان سبب انسحاب الولايات المتحدة من (الاتفاق)ليس كما يشيع يومها ترامب بالتشكيك بوفاء ايران بالتزاماتها لكنه ادرك ان الولايات المتحدة كانت مجرد
(جزء من كل )اي هناك دول اخرى مشاركة بالاتفاق من الاعضاء الدائمين لمجلس الامن بالاضافة الى المانيا فيما
الولايات المتحدة تريد ان تكون هي المفاوض الاول ومع جهة (خاسرة )تملي عليها شروطها،لذا تركت (الاتفاق)سائباً لحين قدمت بحرب مباشرة مع ايران لتملي شروط المنتصر على الخاسر ..
خلال عمر الثورة الاسلامية في ايران منذ عام 1979 وحتى يومنا هذا فان القيادة الاسلامية الايرانية ظلت في عداء دائم مع الولايات المتحدة ومع اصدقائها بالمنطقة (اسرائيل)واصفة اميركا ب(الشيطان الاكبر )وواصفة اسرائيل ب(الغدة السرطانية ).
ووفقا لهذا (العداء)تكون قد اعدت نفسها لاي منازلة عسكرية سواء مع اميركا او اسرائيل او (كلاهما).
هذا الاعداء ليس في بعده الاعلامي انما على كافة الاصعدة العلمية والتقنية
والاقتصادية والشعبية والتعبوية مقدرةً قوة خصومها
ومشكلةً عمقاً استراتيجياً لها
بالمنطقة من محاور المقاومة.
في العراق ولبنان وسوريا واليمن والارض المحتلة واليمن ..
في حرب الاثني عشر يوما بين إيران والعدو الصهيوني في الفترة من 13 إلى 24 يونيو 2025،ادركت اسرائيل انها عاجزة عن مواجهة ايران لوحدها لذا عمدت الى (جرجرة)الولايات المتحدة
بكل ماتملك من قوة عسكرية وقواعد ونفوذ الى هجوم على ايران بدأ في نهاية شباط فبراير من العام الجاري 2026
وامتدت لاربعين يوما استخدمت فيه الولايات المتحدة واسرائيل كل مصادر قوتها العسكرية والياتها المتطورة فيما ردت ايران الهجوم ببسالة وقوة وبالة عسكرية متطورة مدعومة بمحور المقاومة وبشعب عريق التاريخ والثقافة والحضارة فانهك خصومه
واقعدهم وجعلهم في حيرة وشده لايعرفون ماذا يفعلون.
ليس مهماً لدى الولايات المتحدة الاميركية (مكان التفاوض)ومدى قدرته في التأثير على المفاوض وعلى الحافظ على ماتم الاتفاق عليه
ومعاقبة الجهة التي تخالف الاتفاق فيما بعد .
غالبا ماتختار او توافق ان يكون
مكان انعقاد المفاوضات في دول (صغيرة )سوى بحجمها او بثقلها ليسهل عليه فيما بعد التنصل من الاتفاق حيث يتمكن او يرغب ، وإلا ماتأثير قطر في مفاوضات الولايات المتحدة مع افغانستان او تأثير
عُمان في مفاوضات ايران حيث سرعان مانقضت الولايات المتحدة الاتفاق وقامت بالهجوم على ايران تاركةً المسؤولين العمانيين في (دائرة العتب)لاغير ..
رغم ان ايران تعلم شخصية الولايات المتحدة وانها دولة لاتحترم العهود والمواثيق ولكن تفاوض لامرين الاول امام العالم انها دولة مثلما تقاتل ببسالة تفعل كذلك في ميدان الدبلوماسية،والثاني لابد من اليات لوقف اطلاق النار تصدر من طرفي النزاع تقضي تفاوضهما امام طرف ثالث كبر او صغر .
وافقت الجمهورية الاسلامية على ارسال مبعوثيها للتفاوض
في عمان والان في باكستان
ومهما كان شكل التفاوض مع خصمها فانها تفاوض بجدية وبشروط معلنة وصريحة
وهي تعلم ان (خصمها )مهزوم
ولن يقبل بشروطها ..
حرب ال(40) يوما( الوعد الصادق (4) )انتهت في منطق الولايات المتحدة مثلما انتهت في فيتنام وافغانستان والعراق
ومادام قد تم الاعلان عن هدنة
قصرت ام طالت مددها فهي اعلان لوقف اطلاق النار بين البلدين وان ماتفعله اميركا في حصار مضيق هرمز مجرد سهم طائش في اخر المعركة.
هنا لابد من تذكير ان جميع
المعارك التي خسرتها الولايات المتحدة يكون للداخل الاميركي تأثير كبير فيها ،وقد يتسبب طولها وخسائرها وتداعياتها على الواقع السياسي والاقتصادي
فيما يلعب الاعلام دور كبير في التأثير على صناعة قرارات الحروب ،وفي الغالب يكون هناك ضحية
لرئيس او مسؤول كبير تلقى التبعات عليه .
الان يعيش الواقع الاميركي
فوضى وانقسام داخل دائرة القيادة الأمريكية بين معارض ومؤيد للحرب على ايران
حيث تبدو الإدارة غارقة في التناقضات بلا خطة واضحة.
يقول كونور سترينغر -كبير مراسلي واشنطن لدى صحيفة التلغراف البريطانية - إن الحملة الأمريكية تحولت من خطة عسكرية "محسوبة" لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، إلى فوضى عارمة مبنية على مزاج الرئيس ترامب !
ويبدو أن لا أحد في الإدارة الاميركية يعرف ما يجري أو ما الخطط وما الذي تهدف إليه الآن. هناك فوضى عارمة، ولا توجد أي مساءلة".
يشير المسؤولون إلى أن ترمب بات منفصلا عن الهياكل الإدارية التقليدية التي تحدد إستراتيجية واشنطن عند الحروب، وأصبح يفرغ ضيقه -بدلا من ذلك- على وسائل التواصل الاجتماعي، لتصبح منشوراته اليومية أداة لتحديد مسار الحرب
ويُعرض على ترمب مقطع مصور يوميا يستعرض نجاحات القوات الأمريكية، دون أي ذكر للإخفاقات العسكرية أو التعقيدات
ويفسر تحليل للصحيفة بأن ترمب قد نفد صبره من اجتماعات الأمن القومي المطولة والمنظمة، مفضلا الاعتماد على حدسه ونصائح دائرة ضيقة من الموالين الذين "يجملون" له واقع الحرب الميداني.
وبحسب التحليل الذي اوردته الصحيفة ، يُعرض على ترمب مقطع مصور يوميا يستعرض نجاحات القوات الأمريكية، دون أي ذكر للإخفاقات العسكرية أو التعقيدات.
ترمب وفقا للصحيفة بدأ يُسرّ للمقربين منه بأنه "لم يعد يرغب في التعامل مع هذا الملف" ويبحث عن مخرج سريع
ومع هذا الجمود، يسود البيت الأبيض حالة من الذعر مع إدراك المسؤولين أن الأوروبيين لن يتدخلوا لإنقاذ
الموقف وقد أعلن ترمب تمديد وقف إطلاق النار، استجابة لما قال إنها جهود وساطة مكثفة قادتها باكستان، ولكن المفاوضات ما زالت عالقة، مما يفتح تساؤلات حول مدى قدرة إدارة "غير منظمة" -وفق تعبير التحليل- على التوصل لحل للأزمة الجارية.
هذه النصوص التي نقلها مراسل صحيفة التلغراف البريطانية تشبه كثيرا ظروف الادارات الاميركية عند اللحظات الصعبة في ظل الحروب التي خاضوها وخسروا فيها فاختاروا اخيرا (عقد اتفاقيات )سريعة الهدف منها انقاذ قطعاتهم العسكرية لاغير .
