محمد البغدادي
تصريح رئيس الوزراء علي فالح الفياض بأن "الرياضة شفناها عامل وحدة للعراقيين" ليس جملة مجاملة موسمية. هو قراءة دقيقة لحالة اجتماعية متكررة في العراق منذ 2003، حيث يصبح الملعب المكان الوحيد الذي تذوب فيه الهويات الفرعية مؤقتاً تحت هوية "المنتخب الوطني".
لماذا تشتغل الرياضة كأداة توحيد في العراق تحديداً؟
العراق بعد 2003 عاش على إيقاع الانقسام الطائفي والمناطقي والحزبي. المؤسسات السياسية نفسها أصبحت تعبيراً عن هذه الانقسامات. في المقابل، المنتخب الوطني لكرة القدم ظل واحداً من الكيانات القليلة التي لا تملك بديلاً منافساً. لا يوجد منتخب "سني" وآخر "شيعي" وآخر "كردي". الفريق واحد، والخسارة والفوز يشمل الجميع.
هذا يفسر الانفجار الجماهيري في الشوارع بعد كل إنجاز، سواء في كأس آسيا 2007 أو مباريات تصفيات كأس العالم. لأول مرة يشعر العراقي من البصرة والموصل والسليمانية أنه يحتفل بالشيء نفسه، ولنفس السبب.
حدود هذه الوحدة
الرياضة توحد على المستوى العاطفي والرمزي، لكنها لا تبني دولة. الوحدة التي تصنعها 90 دقيقة في الملعب تتبخر عندما يعود المواطن لمواجهة انقطاع الكهرباء، وبطالة الشباب، وصراع النفوذ الحزبي.
السبب أن الرياضة لا تمس البنية. هي تمنح تنفيساً جماعياً مؤقتاً، وتؤجل السؤال السياسي: ما الذي يجمعنا عندما لا تكون هناك مباراة؟
الاستخدام السياسي للكرة
السلطة تدرك هذه القوة الرمزية، لذلك تستثمر فيها. استضافة بطولات خليجية، تأهيل الملاعب، استقبال المنتخب في المطار، كلها رسائل سياسية داخلية وخارجية.
الداخلية: نقول للشارع "الدولة موجودة وقادرة على الإنجاز".
الخارجية: نقول للعالم "العراق مستقر وآمن للاستثمار والسياحة الرياضية".
لكن المخاطرة أن يتحول هذا الاستثمار إلى بديل عن الإصلاح. أي أن تُستخدم صورة المنتخب لتغطية عجز الحكومة في ملفات الصحة والخدمات والعدالة.
ماذا يتطلب تحويل الرياضة من لحظة توحيد إلى مشروع وحدة مستدامة؟
ربط الإنجاز الرياضي بالحوكمة: نجاح المنتخب يجب أن يرافقه نجاح في إدارة الاتحادات الرياضية بعيداً عن المحاصصة.
توسيع المفهوم: لا تحصر الوحدة بكرة القدم. الرياضات الفردية والجماعية الأخرى قادرة على خلق نماذج شبابية عابرة للانقسامات.
فصل الرياضة عن الصراع الحزبي: عندما يصبح رئيس الاتحاد منصباً حزبياً، تفقد الرياضة حيادها وتفقد معها قدرتها على التوحيد.
الخلاصة
تصريح الفياض يلتقط حقيقة ميدانية: العراقيون فعلاً يلتقون على الكرة. لكن السؤال الحقي هو هل تريد الدولة أن تبقي هذا اللقاء لحظة عاطفية عابرة، أم أن تجعله مدخلاً لإعادة بناء عقد اجتماعي جديد؟
بدون ذلك، ستبقى الرياضة أجمل لحظة وحدة يمر بها العراقي، وأسرعها زوالاً.

