JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER

إيران تصفع الاب الأمريكي وتؤدب الطفل الاسرائيلي


 محمود المفرجي الحسيني


لم يكن الاتفاق الإيراني الأمريكي مجرد تفاهم سياسي عابر أو تسوية مؤقتة بين خصمين تقليديين، بل مثل نقطة تحول استراتيجية أعادت رسم ملامح التوازنات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط. فبعد سنوات طويلة من العقوبات والضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية، وصلت الولايات المتحدة إلى مرحلة اضطرت فيها إلى التعامل مع إيران باعتبارها قوة إقليمية كبرى تمتلك من أدوات التأثير ما يجعل تجاوزها أمراً مستحيلاً في أي معادلة تخص المنطقة.

لقد خاضت إيران خلال العقود الماضية مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وحلفائها على مختلف المستويات، ورغم حجم الضغوط الهائل الذي تعرضت له، فإنها استطاعت الحفاظ على مؤسساتها السياسية والعسكرية، وتطوير قدراتها الدفاعية، وبناء شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات الإقليمية التي منحتها نفوذاً متزايداً في العديد من الملفات الحساسة.

ومع مرور الوقت، تحولت سياسة الاحتواء والعزل التي انتهجتها واشنطن إلى عبء على أصحابها أكثر من كونها وسيلة لإضعاف إيران.

ومن أبرز نتائج الاتفاق أن إيران فرضت على الولايات المتحدة وإسرائيل وقف العدوان في مختلف الجبهات المشتعلة في المنطقة ومنها لبنان، فبعد سنوات من محاولات فرض الوقائع بالقوة العسكرية، وجدت واشنطن وتل أبيب نفسيهما أمام معادلة ردع جديدة لم يعد من الممكن تجاوزها أو تجاهلها. 

هذا التطور لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والتي أدت إلى تقييد الحركة الإسرائيلية وتقليص هامش المناورة أمامها، سواء عسكرياً أو سياسياً.

هذه النتيجة تعد انتصار كبير لمحور المقاومة، الذي نجح في تثبيت قواعد اشتباك جديدة، تقوم على أن أي تصعيد واسع لن يكون بلا ثمن، وأن موازين القوى لم تعد تسمح بفرض الإرادة الأمريكية والإسرائيلية كما كان يحدث في مراحل سابقة.

أما في المجال الاقتصادي والاستراتيجي، فقد تمكنت إيران من إجبار الولايات المتحدة على رفع الحصار البحري الذي شكّل أحد أدوات الضغط الأساسية عليها. والأهم من ذلك أن طهران حافظت على موقعها المؤثر في إدارة مضيق هرمز، الممر الذي تعبر منه نسبة كبيرة من صادرات النفط والطاقة العالمية، وبهذا أصبحت حركة الطاقة العالمية مرتبطة بشكل مباشر بايران التي أعلنت نفسها كمتحكم وحيد بحركة الطاقة العالمية.

هذه الحقيقة منحت إيران ورقة قوة استراتيجية استثنائية، وجعلت القوى الكبرى تدرك أن أمن الطاقة العالمي لا يمكن فصله عن الدور الإيراني.

ووفق هذه المعادلة فهو تنازل امريكي واضح عن النفوذ العسكري الأمريكي الذي كان مهيمن على الشرق الأوسط ومنحه لإيران، وهو اعلان واذعان امريكي بفقدان هيبتها السياسية والعسكرية، بعدما اضطرت للتراجع عن سياسات كانت تعتبرها سابقاً خطوطاً حمراء لا يمكن التنازل عنها.

ومن بين المكاسب الكبرى التي حققتها إيران أيضاً إلزام الولايات المتحدة وحلفائها بدفع 300 مليار دولار، وهذا الرقم لا يمثل مجرد تعويض مالي، بل يعكس اعترافاً عملياً بحجم الأضرار والخسائر التي ترتبت على سنوات طويلة من الصراع والعقوبات والضغوط، كما أن هذا المبلغ، الذي يعادل تقريباً موازنة ثلاث سنوات من الإنفاق السنوي الإيراني، يمنح الاقتصاد الإيراني فرصة كبيرة لتعزيز بنيته التحتية وتطوير قطاعاته الإنتاجية والعلمية والتكنولوجية.

وعلى الصعيد الإقليمي، فرضت إيران إرادتها السياسية في منطقة الخليج بصورة أوضح من أي وقت مضى، فقد أثبتت الأحداث أن طهران تمتلك من عناصر القوة ما يجعل تجاهلها أمراً مستحيلاً، وأن أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية في المنطقة لا يمكن أن تنجح من دون أخذ المصالح الإيرانية بعين الاعتبار، ونتيجة لذلك، بدأت دول الخليج تنظر إلى إيران بوصفها دولة محورية وكبرى في المنطقة، تمتلك القدرة على التأثير في الاستقرار الإقليمي وفي مستقبل العلاقات السياسية والاقتصادية بين دول الجوار.

كما أن رفع العقوبات الأمريكية والدولية المفروضة على إيران يمثل تحولاً تاريخياً بالغ الأهمية، فهذه العقوبات التي امتدت لأكثر من أربعين عاماً كانت تهدف إلى إضعاف الاقتصاد الإيراني وعزل البلاد عن النظام المالي والتجاري العالمي، إلا أن رفعها اليوم يعني فتح أبواب جديدة أمام الاستثمارات والتجارة والتعاون الدولي، ويمنح إيران فرصة لاستثمار إمكاناتها البشرية والاقتصادية بصورة أوسع بكثير مما كان متاحاً خلال العقود الماضية.

وفيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، فإن ما يلفت الانتباه هو غياب الوضوح الكامل في البنود المتعلقة بهذا الملف، فالنصوص المتداولة لا تتضمن إشارات حاسمة إلى تخلي إيران عن برنامجها النووي أو تفكيك بنيته الأساسية، وهذا الغموض يحمل دلالات مهمة، أبرزها أن طهران لم تقدم تنازلات في أحد أهم الملفات الاستراتيجية بالنسبة لها، وأنها تمكنت من الحفاظ على مساحة واسعة من استقلالية القرار فيما يخص مستقبل برنامجها النووي.

وعند جمع هذه المعطيات معاً، يتضح أن إيران لم تحقق مكاسب جزئية أو مؤقتة، بل استطاعت فرض رؤية سياسية وأمنية جديدة للمنطقة، فالقضية لم تعد مرتبطة فقط برفع عقوبات أو توقيع اتفاق أو إنهاء مواجهة محددة، بل بتكريس واقع إقليمي جديد يعترف بإيران لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاوزه أو إقصاؤه.

لقد أمضت الولايات المتحدة سنوات طويلة تتحدث عن مشروع تغيير الشرق الأوسط وصناعة "شرق أوسط جديد" يخدم مصالحها ويكرس هيمنتها ويضمن التفوق الإسرائيلي لعقود مقبلة، غير أن المفارقة التاريخية تكمن في أن الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل اليوم لا يبدو مطابقاً للرؤية الأمريكية التي سعت واشنطن إلى فرضها، نعم، لقد تغير الشرق الأوسط فعلاً، لكن التغيير جاء وفق موازين قوى مختلفة ومعادلات جديدة فرضتها إيران وحلفاؤها على أرض الواقع. وهكذا، بينما كانت الولايات المتحدة تسعى إلى بناء شرق أوسط جديد على صورتها، انتهى الأمر بولادة شرق أوسط جديد وفق الرؤية الإيرانية التي أسست له بالقوة.

NameEmailMessage