جواد التونسي
منذ عام 2003 والعراقيون يرفعون شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد، لكنهم في كل مرة يصطدمون بجدران المصالح الحزبية والنفوذ السياسي، حتى بات الفساد بالنسبة للكثيرين سرطاناً ينهش جسد الدولة ويبدد ثروات البلاد ويحرم المواطنين من أبسط حقوقهم في الكهرباء والماء والخدمات وفرص العمل، الفاسد في العراق كائن عجيب، يدخل السياسة بجيبٍ فارغ ويخرج منها إمبراطوراً يملك القصور والعقارات والأساطيل من السيارات، ثم يقف أمام الكاميرات متحدثاً عن الزهد والوطنية، بعضهم يذرف دموع التماسيح على الفقراء، بينما مفاتيح خزائن الدولة لا تزال عالقة في جيوبه، ولو كان للضميردائرة حكومية لكان معظم الفاسدين منقطعـين عن الدوام منذ سنوات طويل، أما حاويات القمامة فقد تكون أوفر حظاً من بعض المؤسسات، لأنها على الأقل تحتفظ بالنفايات في مكان واحد، بينما الفاسدون بعثروا نفاياتهم في كل مفاصل الدولة، حتى أصبحت رائحة الفساد تزاحم رائحة النفط في بلد يطفو على بحر من الثروات ،وفي خضم الحديث عن حملة مكافحة الفساد التي يقودها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، يطرح بعض الناشطين فكرة رمزية أطلقوا عليها اسم "التطهير بالقمامة"، مستلهمين ما جرى في أوكرانيا عام 2014 عندما استخدم المحتجون حاويات القمامة كرمز للاحتجاج على الفساد السياسي، إن هذه الدعوة لا تعني بأي حال الدعوة إلى العنف أو الاعتداء على الأشخاص، بل هي تعبير رمزي عن حالة الغضب الشعبي تجاه الفاسدين الذين سرقوا المال العام وأفقروا الشعب وأهدروا فرص التنمية، فالكثير من العراقيين يرون أن مكان الفساد الحقيقي هو "سلة مهملات التاريخ"، وأن من نهبوا ثروات البلاد لا يستحقون سوى الرفض الشعبي والعزلة المجتمعية، لقد آن الأوان لكي تتحول مكافحة الفساد من مجرد شعارات إلى ثقافة عامة يشارك فيها الجميع؛ المواطن والصحفي والقاضي والموظف ورجل الدين والمثقف، فالحرب على الفساد لا تُحسم بالقرارات الحكومية وحدها، بل تحتاج إلى إسناد شعبي وإرادة وطنية ترفض التستر على الفاسدين أو تبرير أفعالهم، إن الشعب العراقي قدم التضحيات الكبيرة من أجل بناء دولة عادلة وقوية، ومن حقه أن يرى أموال النفط تنعكس على حياته اليومية بدلاً من أن تتحول إلى أرصدة وعقارات وصفقات مشبوهة، ولذلك فإن أي حملة شعبية سلمية ورمزية تدعم ملاحقة الفاسدين وتطالب باسترداد الأموال المنهوبة تمثل رسالة واضحة بأن زمن الصمت بدأ ينتهي ،إن "التطهير بالقمامة" ليس دعوة للفوضى، بل تعبير رمزي عن رغبة العراقيين في رمي الفساد والمفسدين في مزبلة التاريخ، وبناء عراق تُحترم فيه هيبة القانون وتُصان فيه أموال الشعب، لأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بمحاسبة الفاسدين وإعلاء قيمة النزاهة والعدالة، الفاسد لا يخشى الفقر ولا الجوع، بل يخشى يوماً يقف فيه أمام العدالة، ويكتشف أن الشعب الذي صبر طويلاً قرر أخيراً أن يضع الفساد كله في مزبلة التاريخ، حيث المكان الذي يليق بكل من سرق قوت العراقيين وأحلامهم.
