JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Home

دم العميد هشام ليس حادثاً عابراً " إنه فاتورة فوضى الأراضي وغياب هيبة الدولة"


 د. جواد التونسي

لم يكن العميد هشام محمد الدليمي ومن استشهد معه من رجال الأمن ذاهبين إلى منطقة الدورة بحثاً عن معركة، ولم تكن مهمتهم مواجهة عدو على جبهة حرب، كانوا يؤدون واجباً رسمياً لتنفيذ قرار بإزالة تجاوزات سكنية في منطقة البوعيثة، عندما تعرضت القوة لإطلاق نار، ما أدى إلى استشهاد العميد هشام وأحد المنتسبين وإصابة آخرين، وهنا تبدأ القصة الحقيقية، الا وهي من قتل العميد هشام؟، ليس السؤال فقط عن اليد التي ضغطت على الزناد، فهذه مهمة التحقيق والقضاء، السؤال الأكبرهو " من صنع البيئة التي جعلت رجل الأمن يقف في مواجهة فوضى عمرها سنوات "؟، كيف تحولت الأراضي الزراعية في أطراف بغداد إلى قطع سكنية، وكيف جرى تقطيعها وبيعها وبناء الدور عليها، وكيف دخلت مواد البناء والخدمات إلى مناطق يفترض أنها غير مخصصة للسكن؟ ومن سمح لهذا الملف أن يكبر حتى أصبح أحياء كاملة، ثم تذكرت الدولة فجأة أن هناك تجاوزات يجب إزالتها؟، وبحسب تقارير عن الحادثة، فإن الأراضي الزراعية في مناطق الدورة والبوعيثة ومحيط بغداد شهدت خلال السنوات الماضية عمليات تقطيع وبيع وبناء غير قانوني، فيما أشارت تصريحات سياسية وإعلامية إلى شبهات فساد وتدخل جهات متنفذة في هذا الملف، وهنا تكمن المأساة، المواطن اشترى، والبناء ارتفع، والخدمات وصلت، والسنوات مرت، ثم جاء رجل الأمن ليواجه النتيجة ببندقيته ودمه، أي دولة هذه التي تترك المخالفة تكبر أمام عينيها، ثم ترسل شرطياً أو ضابطاً لإزالتها بعد أن تصبح أمراً واقعاً؟، وأي عدالة هذه التي تبحث عن الحلقة الأضعف فقط، بينما يجب أن تبحث أولاً عن من قطع الأرض، ومن باعها، ومن سمح بالبناء، ومن أدخل مواد البناء، ومن منح الخدمات، ومن غض الطرف، ومن استفاد مالياً من تحويل أرض زراعية إلى مشروع سكني؟ ، العميد هشام لم يصنع هذه الفوضى، والمنتسب الذي سقط معه لم يصنعهاايضاً ، ورجال الأمن الذين أصيبوا لم يصنعوها، هؤلاء دفعوا ثمن فوضى لم يكونوا شركاء فيه، والأخطر من ذلك أن حادثة الدورة تكشف مشكلة أكبر من مجرد تجاوز عقاري، بل إنها تكشف خطراً يهدد هيبة الدولة نفسها، فعندما تصبح قطعة الأرض مصدراً للأموال والنفوذ والسلاح، وعندما يشعر المتجاوز أن خلفه قوة تستطيع تحدي القرار الرسمي، فإن الدولة تصبح أمام اختبار حقيقي هو " من صاحب القرار؟ القانون أم القوة؟ ، وان مجلس النواب قرر تشكيل لجنة تحقيقية عليا للوقوف على ملابسات الحادث وتحديد أوجه القصور والمسؤولية، مع توصيات بتحديد المقصرين واتخاذ الإجراءات القانونية، وهذا جيد، لكنه لا يكفي، نحن لا نريد لجنة أخرى تكتب تقريراً ثم يوضع في الأدرا، نريد تحقيقاً يصل إلى جذور منظومة الأراضي، لا إلى مطلق النار وحده، نريد أن يعرف العراقي من الذي جعل الأرض الزراعية سلعة للمضاربة، ومن الذي سمح بتحويلها إلى استثمارات سكنية خارج السياقات القانونية، ومن الذي استفاد من هذه التجارة، ومن الذي قصّر في أداء واجبه، فالعدالة الحقيقية لا تبدأ من لحظة إطلاق النار فقط، بل تبدأ من اللحظة التي سُمح فيها للفوضى أن تولد، إن دم العميد هشام يجب ألا يتحول إلى خبر عابر، ولا إلى تشييع رسمي، ولا إلى بيانات استنكار، ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه، دمه يجب أن يكون عنواناً لفتح ملف كامل، هو ملف الأراضي، ملف التقطيع والبي، ملف التراخيص والخدمات، ملف الرشى والفساد إن ثبتت، ملف السلاح المنفلت، وملف المسؤولين الذين كانت لديهم القدرة على منع الكارثة ولم يفعلوا، الدولة القوية ليست التي ترسل جنودها بعد وقوع الفوضى، وإنما الدولة القوية هي التي تمنع الفوضى قبل أن تصبح مهمة أمنية ، رحم الله العميد هشام ومن استشهد معه، والشفاء للجرحى، لكن الوفاء لهم لا يكون بالدموع وحده، الوفاء الحقيقي أن لا يُطلب من رجل الأمن غداً أن يدفع حياته ثمناً لفساد وفوضى كان يمكن للدولة أن تمنعهما بالأم، فالعميد هشام لم يمت لكي تحيا الفوضى " بل يجب أن تكون شهادته بداية موت الفوضى نفسها ".

NameEmailMessage