JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Home

هل أنا الشريف الوحيد..؟


 حسن خضير درباش العامري

الكاتب والناقد السياسي

عندما سمعت تصريح رئيس مجلس الوزراء الأسبق الدكتور حيدر العبادي، وهو يقول إن «إذا حاربنا الفساد ستسقط العملية السياسية»، توقفت طويلاً عند هذه العبارة، ليس لأنها عبارة سياسية عابرة، وإنما لأنها عبارة قد تحدث تغييراً جيوسياسياً يعيد رسم الخريطة السياسية في العراق.

ولو قيلت مثل هذه العبارة في مكان آخر من العالم، لربما أحدثت زلزالاً سياسياً عظيماً، لأنها تضع أمام الرأي العام سؤالاً بالغ الخطورة:

هل أصبح الفساد جزءاً من بنية العملية السياسية، بحيث إن محاربته يمكن أن تهددها بالسقوط؟

ولأن الكلام صدر عن رجل كان في الصف الأول من الدولة، وتولى رئاسة مجلس الوزراء، وعاش تفاصيل العمل السياسي والحكومي من الداخل، فلا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رأي عابر. فالرجل مسؤول عن كلامه، ويعرف الكثير من تفاصيل الدولة ومؤسساتها، ولذلك فإن تصريحه عن الفساد يستحق أن نتوقف عنده طويلاً.

أنا لا أتهم شخصاً بعينه، ولا أملك ملفات قضائية لأقول إن فلاناً فاسد أو إن علاناً بريء، فذلك من اختصاص القضاء. لكنني أتحدث عن ظاهرة يعرفها العراقيون جميعاً، وعن فساد أصبح واحداً من أثقل الملفات التي رافقت الدولة العراقية لسنوات طويلة.

وهنا أعود إلى نفسي وأسأل:

هل أنا الشريف الوحيد؟

لا أقولها غروراً، ولا أضع نفسي فوق الآخرين، لكنني أعرف نفسي جيداً.

لو عُرض عليّ كل أموال الفساد، أو مال أعرف أو حتى أشك في مصدره، فلن أمد يدي إليه.

وليس لأنني أخاف العقوبة، وإنما لأن هناك شيئاً في داخلي أقوى من الخوف من القانون:بل الخوف من الله وهي

مبادئ تربيت عليها ، وضمير لا يسمح لي بالاقتراب من المال المشكوك فيه، ولو بنسبة ضئيلة.

فالمال الحرام لا يصبح حلالاً لأنه كثير، ولا يصبح نظيفاً لأنه جاء من شخص صاحب نفوذ، ولا يصبح مشروعاً لأن الآخرين يفعلونه.

قد أكون فقيراً أمام من جمعوا الملايين، وقد لا أمتلك ما يمتلكونه من قصور وسيارات ومظاهر حياة، لكنني أريد أن أعيش وأنا مطمئن إلى نفسي، وأن أستطيع أن أجيب أبنائي إذا سألني أحدهم يوماً:

أبي... من أين جاء هذا المال؟

أريد أن أقول لهم ببساطة:

جاء من تعب يدي، ومن عملي، ومن الطريق الذي لم أخجل منه يوماً.

فالفساد لا يبدأ دائماً من خزينة الدولة، وإنما يبدأ من داخل الإنسان عندما يقنع نفسه بأن الخطأ أصبح عادياً لأن الجميع يفعله.

ولو أصبح الشريف غريباً، فلا ينبغي له أن يغير نفسه حتى يصبح شبيهاً بالآخرين.

ولو أصبح المال المشبوه طريقاً إلى الجاه والسلطة، فلا يعني ذلك أن الإنسان الشريف يجب أن يسلك الطريق نفسه.

لذلك أعود إلى سؤالي:

هل أنا الشريف الوحيد؟

أتمنى ألا أكون كذلك.

أتمنى أن يكون في العراق كثيرون ما زالوا يؤمنون بأن نظافة اليد ليست ضعفاً، وأن خسارة المال أهون من خسارة الضمير، وأن الفقر مع الكرامة أهون من الثراء الذي يلاحق صاحبه بالخوف والخجل.

فقد يخسر الإنسان المال، وقد يخسر المنصب، وقد يخسر فرصاً كثيرة في حياته...

لكن هناك خسارة واحدة لا أستطيع تحملها: أن أخسر نفسي.


NameEmailMessage