JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
الصفحة الرئيسية

حكومة المحاصصة مناصب تتقاسمها الأحزاب وشعب ينتظر الخلاص


 د. جواد التونسي

لم يعد المواطن العراقي بحاجة إلى بيانات سياسية طويلة كي يدرك حجم الأزمة التي تعيشها البلاد، فالمشهد يتكرر أمامه منذ سنوات ، خلافات تمتد لأشهر حول تشكيل الحكومات، ومفاوضات شاقة لتوزيع المناصب، وصراعات على الوزارات والامتيازات، بينما تبقى الملفات التي تمس حياة المواطنين اليومية معلّقة بين الوعود والتسويف، وحين تنتهي هذه الخلافات، لا يكون السؤال التالي وهو ماذا سيحصل عليه العراقي من هذه الحكومة؟ بل يصبح السؤال هو من حصل على حصته من السلطة؟ إن موقف الحزب الشيوعي العراقي الرافض للتشكيلة الحكومية الجديدة، ودعوته القوى الوطنية والديمقراطية والنقابات والاتحادات والحركات الاحتجاجية إلى توحيد الصفوف وبناء حركة شعبية سلمية من أجل التغيير، يعيدان فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية العراقية، وهو ملف المحاصصة الحزبية التي تحولت، في نظر قطاعات واسعة من العراقيين، من وسيلة مؤقتة لإدارة الخلافات السياسية إلى نهج دائم لتوزيع السلطة والنفوذ، فبعد أكثر من خمسة أشهر من التعطيل والمساومات والصراع على الحصص والمناصب، عاد مجلس النواب ليصوّت على استكمال التشكيلة الحكومية، بما شمل ثلاثة نواب لرئيس مجلس الوزراء و11 مرشحاً للوزارات الشاغرة، بينهم وزير دولة، باستثناء وزارة الهجرة، وهنا تبرز أسئلة مشروعة لا يمكن تجاوزها وهو هل كانت هذه الأشهر الطويلة ضرورية لإنجاز برنامج حكومي يخدم المواطنين، أم إنها كانت وقتاً مستقطعاً في مباراة سياسية لتحديد حصة كل طرف؟ وهل كانت الأولوية لتشكيل حكومة قادرة على معالجة الأزمات، أم لإرضاء القوى المشاركة في التسوية؟ إن المشكلة ليست في عدد الوزراء أو نواب رئيس مجلس الوزراء وحده، بل في فلسفة إدارة الدولة، وفي المعايير التي يُختار على أساسها المسؤولون. فالدولة لا تُقاس بعدد المناصب التي تُمنح، ولا بعدد الأحزاب التي ترضى عن التشكيلة الحكومية، وإنما بقدرتها على توفير الخدمات، وخلق فرص العمل، وحماية المال العام، وتحقيق العدالة بين المواطنين، المحاصصة ليست مجرد توزيع للمناصب، بل أزمة في مفهوم الدولة، فعندما تصبح الوزارة استحقاقاً حزبياً قبل أن تكون مسؤولية وطنية، تتراجع الكفاءة أمام الولاء، ويصبح المنصب جزءاً من حسابات التوازن السياسي بدلاً من أن يكون أداة لخدمة الناس، وعندما تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات لتوسيع النفوذ، يجد المواطن نفسه بعيداً عن مركز القرار، رغم أنه صاحب الحق الأول في الثروة الوطنية ومصدر الشرعية لأي سلطة منتخبة، ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن العراق يمتلك ثروات طبيعية هائلة، وفي مقدمتها النفط، ويمتلك إمكانات بشرية واقتصادية قادرة على بناء دولة متقدمة، ومع ذلك لا تزال شرائح واسعة من المواطنين تواجه البطالة والفقر وتراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، وتبقى الكهرباء والمياه والسكن والرعاية الصحية والتعليم تحديات يومية تنتظر حلولاً جدية، فيما تتقدم المفاوضات السياسية كلما تعلق الأمر بالمناصب والامتيازات، فما قيمة الثروة إذا لم تتحول إلى مدارس جيدة ومستشفيات متطورة وطرق آمنة ومشاريع إنتاجية؟ وما جدوى تشكيل الحكومات إذا ظل المواطن يشعر بأن حقوقه تأتي في آخر قائمة الأولويات؟ وأي معنى للمناصب السيادية إذا لم تكن السيادة الحقيقية هي قدرة الدولة على حماية مصالح شعبها وإدارة موارده بشفافية وعدالة؟ ونحن كصحفيين مستقلين نؤيد بشكل مطلق على رفض الحزب الشيوعي العراقي للتشكيلة الحكومية الجديدة وانه يمثل موقفاً سياسياً يستحق النقاش في إطار حق القوى الوطنية في النقد والمعارضة والمطالبة بالإصلاح، لكن التحدي الأكبر لا يكمن في إصدار البيانات وحدها، بل في تحويل الاعتراضات إلى مشروع وطني واضح، قادر على جمع العراقيين حول مطالب مشتركة تتجاوز الانتماءات الحزبية والطائفية والقومية، ومن هنا تكتسب الدعوة إلى توحيد القوى الشعبية والنقابات والاتحادات والحركات الاحتجاجية أهمية خاصة، شريطة أن تستند إلى برنامج عملي وسلمي، يحدد الأولويات، ويضع آليات للمحاسبة، ويطالب بإصلاح المؤسسات، ومكافحة الفساد، وضمان استقلال القضاء، وتكافؤ الفرص، وحماية الحريات العامة.

الاسمبريد إلكترونيرسالة