2026-10-19
د. محمود الهاشمي
عضو الهيئة الادارية للرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين / ممثلية العراق
*أولاً: المقدمة
شكّل احتمال شنّ هجوم أميركي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية هاجساً لدى الأوساط الإقليمية والدولية، ليس لمجرد أن إيران اعتادت مواجهة مثل هذه الهجمات، أو لأنها دأبت على الرد عليها باستهداف المواقع العسكرية والأصول الأميركية في المنطقة، وصولاً إلى مواقع أخرى قد تستخدمها الولايات المتحدة منطلقاً لعملياتها العسكرية أو لتقديم الدعم اللوجستي لها، بل لأن التداعيات المحتملة لأي هجوم جديد قد تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، لتطال الداخل الأميركي ودول المنطقة على حدّ سواء.
ولعلّ الأخطر في هذا السيناريو لا يكمن في طبيعة الضربة العسكرية وحدها، وإنما في كلفتها السياسية والاقتصادية، وما قد تخلّفه من تداعيات يصعب احتواؤها. ففي الداخل الأميركي، تتزايد الاعتراضات على الانخراط في حرب جديدة ضد إيران، وسط تساؤلات عن جدواها وحجم تكاليفها، وعن مدى ارتباطها بالمصالح الأميركية، في ظل أصوات ترى أنها حرب تخدم إسرائيل أكثر مما تخدم الولايات المتحدة. أما دول المنطقة، فقد باتت تنظر إلى استمرار التصعيد بوصفه عبئاً اقتصادياً وأمنياً متزايداً، في وقت لم تُفضِ فيه الهجمات السابقة إلى حسم الصراع أو إنهاء أسبابه.
وفي المقابل، اعتاد المجتمع الإيراني التعايش مع تداعيات الحرب والضغوط، فيما لا تزال قوى ومحاور المقاومة حاضرة في مواقعها في العراق ولبنان، فضلاً عن غزة واليمن.
ومع تشابك الوقائع وتضارب التصريحات الصادرة عن المسؤولين الأميركيين بشأن احتمالات الهجوم أو استبعاده، تبقى جميع السيناريوهات مطروحة، خصوصاً في ظل صعوبة التنبؤ بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومواقفه المتقلبة إزاء ملفات المنطقة. وفي هذا السياق، يثير ما أُعلن عنه مؤخراً بشأن استخدام الطائرات الأميركية والإسرائيلية الأجواء العراقية تساؤلات عن طبيعة التحركات العسكرية الجارية، وما إذا كانت تندرج ضمن ترتيبات اعتيادية أم تمثل مؤشراً على احتمالات تصعيد مقبل، قد يضع الأجواء العراقية أمام تحديات أمنية وسيادية جديدة.
كما ان تحذير اللواء محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، يوم الأحد 19/ 11 اكتوبر، تشرين الاول في تصريحات تناولت احتمال استئناف الحرب الأمريكية على إيران، من أن اندلاع جولة جديدة من المواجهات سيعرّض كابلات الاتصالات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي وغيرها من البنى التحتية الموجودة في المنطقة لخطر الهجمات أيضاً. مؤكداً أن إيران ستواجه العدو، في حال اندلاع الحرب مجدداً، بخطة أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً بكثير.
بمعنى ان البنى التحتية لتخزين البيانات ومعالجتها ونقلها باتت الان مهددة ايضا. وبهذا فان دول المنطقة ومنها العراق لابد ان تكون قد استعدت لمثل هذه المواجهة.
وهنا تبرز المخاوف من أن تتجاوز تداعيات أي هجوم محتمل حدود إيران، لتشمل العراق، سواء من خلال استهداف مواقع أو مقار لفصائل المقاومة، أو عبر استخدام أراضيه وأجوائه في العمليات العسكرية، فضلاً عن احتمالات امتداد المواجهة إلى لبنان واليمن.
وعليه، فإن المرحلة الراهنة تفرض قراءة دقيقة لمختلف الاحتمالات، والاستعداد للتعامل مع سيناريوهات متعددة، من دون الجزم بأن المواجهة العسكرية باتت حتمية أو أن مساراتها قد حُسمت.
*ثانياً: تصريحات ترامب ونتنياهو - تأجيل انتخابي وليس سلاماً*
1- ترامب يقول شيئين متناقضين عن قصد:
- علناً على Truth Social يوم 9 أكتوبر: "لن نشن هجوماً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر، وهناك محادثات مثمرة مع طهران"
- وفي نفس الوقت البنتاغون مأمور بإعداد 5 خطط هجوم ضد إيران والحوثيين، وترامب رفضها حتى الآن، وأمريكا ترسل بطاريتي باتريوت للسعودية وقطر وتستعد لإرسال حاملة ثالثة للمنطقة
لماذا؟ ترامب تحت ضغط داخلي: أسعار النفط قفزت لبرنت 105 دولار، والناخب الأمريكي غير راضٍ عن أسعار الوقود بسبب الحرب السابقة التي بدأت 28 فبراير. لا يريد حرب جديدة قبل انتخابات الكونغرس.
- ترامب 8 أكتوبر 2026 على Truth Social: "الحصار سيستمر، لكن الهجوم لن يكون في أي وقت قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر".
2- نتنياهو يريد التصعيد لكنه لا يستطيع قبل الانتخابات:
- انتخابات الكنيست يوم 27 أكتوبر تشرين الحالي.
- تقارير القناة 13 الإسرائيلية: نتنياهو قال لمسؤولين أمنيين "غير معني بتنفيذ عملية عسكرية قبل الانتخابات".
- الجيش الإسرائيلي نفسه يستعد لـ 3 سيناريوهات: هجوم منفرد، أو مشترك مع أمريكا، أو الرد على صواريخ إيرانية، لكنه لم يتلقَ أمراً حتى الآن.
- نتنياهو يؤكد ان مهاجمة إيران قبل الانتخابات ليست جيدة 2026-10-14: "هذا الأمر ليس ملائماً لنا وليس جيداً"، "حتى لو أطلقت إيران صواريخ علينا، فسيلقون باللوم عليّ"يعني نتنياهو يستخدم ورقة إيران انتخابياً، وترامب يستخدمها ضغطاً تفاوضياً.
3- ماذا بشأن المباحثات الاميركية الإسرائيلية بشأن توجيه ضربات عسكرية لإيران:
أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قبل يومين خلال جولة انتخابية شملت ألاسكا ولاس فيغاس، أن الصبر الأمريكي تجاه إيران قد نفد.
وبحسب تقارير نقلها موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، أجرى ترمب مباحثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن عمليات عسكرية محتملة ضد مواقع إيرانية، لا سيما منشأة "جبل الفأس" النووية.
4- الجيش الأمريكي يعد خططاً جديدة 15-10-2026 CNN: اعد الجيش الأمريكي خططاً جديدة لشن ضربات -قد تشمل استخدام ما يُعرف بـ "أم القنابل" لاستهداف البنية التحتية للطاقة والمنشآت النووية الإيرانية، وذلك في حال أصدر الرئيس، دونالد ترامب، أمراً باستئناف العمليات القتالية سواء قبل انتخابات التجديد النصفي أو بعدها.
كما أفاد مصدر ثانٍ لشبكة CNN بأن الخطط العسكرية لضرب المنشآت النووية الإيرانية -بما في ذلك موقع "جبل الفأس" تنص صراحةً أيضاً على استخدام قنبلة "MOAB".
*ثالثاً: تفاعل الشعب الأمريكي مع الهجوم*
- Pew 28 سبتمبر - 4 أكتوبر 2026: 65% يرفضون إدارة ترامب للحرب (كان 61% في مارس)، 33% فقط يؤيدون. حتى الجمهوريون نزلوا من 69% إلى 63%.
- AP-NORC: 71% يرفضون و69% يقولون الحرب لا تستحق القتال.
- مخاوفهم الحقيقية: 73% خائفون من ارتفاع البنزين، 71% مقتل جنود أمريكان، 58% إرسال قوات برية إلى إيران، 49% هجمات إرهابية في أمريكا.
- البنزين هو القاتل السياسي: متوسط الغالون 4.36 دولار كان 2.98 قبل الحرب فبراير-شباط (+40%). 65% يقولون الأسعار سببها سياسات ترامب.
- النتيجة: ترامب كتب "لن نهاجم قبل 3 نوفمبر تشرين الثاني" لأن الحرب أصبحت عبئاً انتخابياً، و83% من الأمريكان يتوقعون حرباً طويلة.
*رابعاً: هل الشرق الأوسط لم يعد أولوية لأمريكا؟*
- ما قاله ترامب في ولايته الاولى وبداية ثانية: الشرق الأوسط لم يعد أولوية، أولويتنا الصين. وثيقة الأمن القومي كانون الاول 2025: "أيام هيمنة الشرق الأوسط انتهت لحسن الحظ".
- الواقع 2026 عكس تماماً (Reason 18 أغسطس): الإدارة وعدت بالتحول لآسيا وتفعل العكس: سحب آخر حاملة من المحيط الهادي USS George Washington لإرسالها للشرق الأوسط، تقليص مناورات مع كوريا الجنوبية، وقف مبيعات سلاح لتايوان لأن الذخيرة استنزفت في إيران، 1 أكتوبر البنتاغون أعلن 10,000 جندي إضافي ومجموعة حاملة ثالثة للشرق الأوسط.
- لماذا فشلت استراتيجية الخروج؟ 3 أسباب: عقد 38 مليار مع إسرائيل ملزم، المجمع الصناعي (40% سلاح أمريكا يشتريه الخليج)، هرمز أهم من تايوان لأن النفط يضرب الاقتصاد مباشرة.
*خامساً: مصادر قوة إيران لمواجهة الهجوم*
- حسب تقرير بلومبرغ 10 أكتوبر 2026 نقلاً عن مسؤولين غربيين: إيران احتفظت بأجزاء من منشآتها لإنتاج الصواريخ والمسيّرات رغم أشهر من الضربات، وتحتفظ بكميات كبيرة من الباليستي والمضاد للسفن وقادرة على الإنتاج بسرعة. روسيا تزود إيران بالصواريخ أيضاً.
- المظلة الجديدة: تسلمت HQ-9B الصينية (مدى 300 كم، قادرة على كشف F-35) وربطتها مع باور 373 المحلية و S-400 الروسية في شبكة قيادة موحدة.
- استراتيجية الإغراق العددي: إطلاق 300-500 مسيّرة انتحارية مرة واحدة لإنهاك منظومات إيجيس والقبة الحديدية، ثم تمرير فتاح-2 الفرط صوتي بسرعة 15 ماخ.
- مضيق هرمز: 20% من نفط العالم يمر هناك، أي ضربة = نفط 130-200 دولار.
- حتى الجيش الإسرائيلي بدأ يقول: ضربنا في عملية "مطرقة منتصف الليل" و "الغضب الملحمي" ولم ندمر البرنامج.
*سادساً: الصبر الاستراتيجي الإيراني - سلاح الوقت*
- التعريف: لا ترد فوراً، رد عندما ينسى عدوك أنك سترد.
- بعد اغتيال الحاج سليماني 2020: رد محسوب في عين الأسد لا يقتل أمريكيين، ثم انتظر 4 سنوات وبنى شبكة مسيّرات ضربت إسرائيل مباشرة 2024 و2025.
- بعد ضربة فبراير شباط 2026: امتص الضربة وانسحب تحت الأرض وأعاد تشغيل المصانع.
- المعادلة: أمريكا وإسرائيل تريدان حرباً تنتهي قبل الانتخابات، إيران تريد حرباً لا تبدأ حتى تنتهي الانتخابات. من يملك الوقت يملك القرار.
*سابعاً: كيف صمدت 8 سنوات في حرب الخليج الأولى 1980-1988؟*
- الوضع مستحيل: الثورة عمرها 19 شهراً فقط، 12 ألف ضابط مفصول، الحرس الثوري عمره 16 شهراً بدون دروع. العراق هاجم بـ 12 فرقة مدرعة سوفيتية وفرنسية، ودعم خليجي 60 مليار دولار.
- كيف صمدت؟ بـ 5 عوامل: 1. التعبئة العقائدية: 2.5 مليون متطوع باسيج. 2. اقتصاد الحرب: تطوير سكود وتفكيك F-14. 3. تسمية المعارك: كربلاء 1-10. 4. تحمل الخسائر: 300 ألف شهيد. 5. الجغرافيا: 1.6 مليون كم2 لا تحتل.
- الخلاصة: من صمد 8 سنوات بآليات بسيطة لن ينهار بضربة 8 ساعات.
*ثامناً: الصمود الاقتصادي و48 عاماً عقوبات*
- 4 موجات: 1979 تجميد 12 مليار، 1995-2015 حظر نفط وSWIFT، 2018 الضغط الأقصى، 2022-2026 عقوبات مركبة.
- 6 اجراءات للصمود: 1. اقتصاد المقاومة (نظرية الإمام الشهيد خامنئي 2010): بتروكيماويات 20 مليار. 2. أسطول أشباح: 400 ناقلة تبيع 1.5 مليون برميل يومياً للصين باليوان (53 مليار دولار 2025). 3. نظام مالي بديل: SEPAM + SPFS + CIPS. 4. اكتفاء ذاتي: 90% إنتاج قمح و97% أدوية و1.2 مليون سيارة. 5. الحرس كدولة داخل الدولة: خاتم الأنبياء تملك 30% اقتصاد. 6. إدارة الازمة: دعم الخبز والوقود نقداً.
*تاسعاً: الإرث التاريخي والحضاري كسلاح*
- إيران لا تحارب كدولة 48 سنة بل كحضارة 5 آلاف سنة.
- 1. الدولة العميقة: كل إمبراطوريات احتلتها انهارت وهي بقيت. 2. الشبكة: أمريكا لديها قواعد، إيران لديها مراجع. 3. العقلية الحرفية: من سجاد يدوي إلى صاروخ تحت الأرض. 4. الرواية الأدبية: فردوسي كتب الشاهنامة قبل 1000 سنة لحفظ الفارسية. 5. المظلومية: تحويل الضربة إلى كربلاء: "الدم ينتصر على السيف".
- الصاروخ يُصنع في 5 سنوات، لكن الهوية تُبنى في 5000 سنة.
*عاشراً: كيف تنظر دول المنطقة إذا عاودت أمريكا الهجوم؟*
- الخليج (السعودية، الإمارات، قطر): "لن نسمح باستخدام أجوائنا". محمد بن سلمان: ضربة إيران = 200 دولار نفط. في 2019 إيران ضربت أرامكو بـ 10 مسيّرات وأوقفت 50% إنتاج السعودية. دبي 150 كم من إيران. قطر فيها العديد.
- تركيا: أردوغان يرى الفرصة للتمدد في سوريا وأذربيجان إذا ضعفت إيران، لكنه يخشى التداعيات.
- إسرائيل: الوحيدة تريد الحرب.
- النظرة: أمريكا تهاجم وتذهب، إيران تبقى جاراً جغرافياً لا يتغير. لذلك حتى السعودية تفاوضت مع إيران في بكين 2023.
*حادي عشر: تهديد إيران لكابلات الإنترنت*
هددت ايران على لسان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، باستهداف كابلات الاتصالات ومراكز البيانات بهدف توسيع الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها. هذا الاستهداف حتما سيترك ضررا على الاقتصاد لان تضرر الكابلات يؤدي إلى اضطراب الاتصالات الدولية والخدمات المصرفية والتحويلات الإلكترونية والتجارة الرقمية.
*ثاني عشر: ماذا لو غامرت أمريكا وإسرائيل بالهجوم؟*
السيناريو 1: الهجوم المحدود - "عملية جراحية" (50%): ضرب 50-70 هدفاً: فوردو، نطنز. تأخير البرنامج 2-3 سنوات فقط. نفط 115-130 دولار. إيران ترد بـ 100-150 صاروخ.
السيناريو 2: الهجوم الشامل - "صدمة ورعب 2" (25%): 300+ هدف في 3 أيام: وزارة الدفاع، مقرات الحرس، مصافي نفط، ميناء بندر عباس. النتائج الكارثية: إيران تطبق خطة "كربلاء": إغراق هرمز بـ 2000 لغم. نفط 180-250 دولار. حرب إقليمية: حزب الله 500 صاروخ يومياً، الحوثيون يغلقون باب المندب، فصائل العراق تتدخل. البنتاغون قال يحتاج 150 ألف جندي.
السيناريو 3: الرد غير المتماثل - "الانتقام البطيء" (ما ستفعله إيران فعلاً): إيران لن تحارب حرب أمريكا، ستحارب حربها: حرب 5 سنوات: هجمات سيبرانية على بنوك أمريكية وخليجية، تفجير ناقلات بدون تبني، تسريع نووي علني وتخرج من معاهدة حظر الانتشار.
*ثالث عشر: الخلاصة*
"بين التهديد بالهجوم والتهدئة: قراءة في فحوى التصريحات الأمريكية-الإسرائيلية تجاه إيران"
"لا يوجد هجوم غداً، ولا يوجد سلام غداً. ما يوجد هو إدارة أزمة حتى 3 نوفمبر."
الفكرة الأولى: ترامب تاجر لا يريد حرباً مكلفة - رفض 5 خطط عسكرية عرضها البنتاغون.
الفكرة الثانية: نتنياهو أسير الانتخابات - قبل 16 يوم من انتخابات 27 أكتوبر أي هجوم فاشل يعني سقوطه.
الفكرة الثالثة: إيران تلعب على الوقت - رغم القصف، مصانع الصواريخ بقيت.
في النهاية: "الولايات المتحدة لا تريد أن تدفع فاتورة حرب ثالثة في الشرق الأوسط قبل انتخابات الكونغرس، وإسرائيل لا تريد أن تدفع فاتورة حرب قبل انتخابات الكنيست. إذن من سيدفع؟ المنطقة تدفع ثمن الانتظار عبر ارتفاع النفط والتأمين."
وبذا نسأل: "هل تدار أزماتنا بقرارات استراتيجية، أم بمواعيد انتخابية في واشنطن وتل أبيب؟"
هل تستعد إيران لحرب جديدة؟
تشير مجموعة من المؤشرات إلى أن إيران تستعد لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المخاوف من تجدد الحرب.
استعدادات داخلية لمواجهة محتملة
في هذا السياق، ذكر العميد غلام رضا جلالي، المسؤول عن خطط الطوارئ، للصحفيين في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، أن المطارات والموانئ ومحطات الطاقة اتخذت استعدادات لمواجهة ظروف الحرب، فيما جرى تجهيز الملاجئ والإمدادات الاحتياطية لضمان استمرار العمل خلال الأزمات.
ولا تقتصر الاستعدادات على البنية التحتية، بل تشمل أيضاً تهيئة المدنيين لاحتمال عودة المواجهات. فقد ظهرت في شوارع طهران لوحات إعلانية تروّج لدورات تدريبية للمدنيين على استخدام الأسلحة، بما في ذلك الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف وبنادق القنص.
وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الحكومة الإيرانية أبلغت وسطاء بأنها ستردّ على أي هجوم جديد بمزيد من التصعيد، بما في ذلك استهداف أفراد أمريكيين ومحاولة إغراق سفن حربية أمريكية في المنطقة وقتل أطقمها.
كما أعلن الحرس الثوري الإيراني، الشهر الماضي، تدريب أولى وحدات الكوماندوز النسائية على تكتيكات حرب العصابات واستخدام الأسلحة النارية وتوجيه الطائرات المسيّرة.
مضيق هرمز ورقة ضغط في المواجهة
بموازاة هذه الاستعدادات، تسعى طهران إلى تعزيز قبضتها على مضيق هرمز، من خلال فرض قيود على حركة العبور، في محاولة لاستخدام الممر البحري الاستراتيجي ورقة ضغط في مواجهة واشنطن، والحفاظ على نفوذها في أي مفاوضات أو مواجهة مقبلة.
من جهته اكد المتحدث باسم الجيش الإيراني العميد محمد أكرمي نيا: أؤكد بحزم أننا وصلنا إلى قدرات دفاع جوي أعلى مما كانت عليه خلال حرب رمضان
ويضيف أكرمي نيا: أجرينا خلال هذه الفترة مناورات مشتركة مع القوة الجو فضائية في حرس الثورة بهدف تعزيز وأدخلنا معدات جديدة إلى تشكيلاتنا القتالية
لكن السؤال الأهم: هل تتوقع إيران فعلاً هجوماً أمريكياً أو إسرائيلياً جديداً؟
يمكن تفسير الاستعدادات الإيرانية في ضوء ثلاثة أسباب رئيسية:
أولاً: انعدام الثقة بالولايات المتحدة.
تتعامل طهران مع واشنطن بحذر شديد، ولا تستبعد احتمال عودة المواجهة العسكرية، حتى في ظل المساعي الدبلوماسية أو التهدئة المؤقتة.
ثانياً: احتمال دفع إسرائيل نحو مواجهة جديدة.
تخشى إيران أن تسعى إسرائيل إلى دفع الولايات المتحدة نحو شن هجوم جديد عليها، مستفيدة من حجم نفوذها وتأثيرها في دوائر صنع القرار الأمريكي.
ثالثاً: إبقاء الجبهة الداخلية في حالة تأهب.
تريد القيادات الإيرانية أن يكون المجتمع مستعداً لأي طارئ، وأن تتوافر لديها خطط بديلة لضمان استمرار الخدمات الأساسية والتعامل مع تداعيات الحرب إذا اندلعت مجدداً.
لا تعني هذه الاستعدادات بالضرورة أن الحرب باتت وشيكة، لكنها تشير إلى أن القيادة الإيرانية تأخذ احتمال تجدد المواجهة على محمل الجد، وتعمل على الاستعداد لها عسكرياً ومدنياً واقتصادياً.
فهل تستعد إيران فعلاً لحرب قادمة، أم أنها تحاول رفع كلفة أي هجوم محتمل عليها، وتعزيز قدرتها على الردع والتفاوض؟
قد يكون الجواب مزيجاً من الأمرين؛ فطهران تريد أن تكون مستعدة للحرب، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى منع وقوعها.
لماذا يتوقع المسؤولون الإيرانيون أن تكون الحرب المحتملة «تقنية»؟
أولاً: لماذا تتعامل طهران مع المواجهة بوصفها أمراً وشيكاً؟
لم تنشغل القيادات الإيرانية كثيراً بالتصريحات الصادرة عن مسؤولين أميركيين أو إسرائيليين بشأن احتمال تأجيل الهجوم على إيران إلى ما بعد الانتخابات في بلدانهم؛ بل رفعت منسوب خطابها العسكري، وكأن المواجهة باتت أمراً لا مفر منه، مؤكدةً أن الجمهورية الإسلامية مستعدة لخوضها.
ويعود هذا الموقف، وفق القراءة الإيرانية، إلى تجارب سابقة تعرضت فيها إيران لضربات عسكرية أميركية وإسرائيلية، رغم انخراطها في المسارات الدبلوماسية وجولات الحوار. كما تستحضر طهران الانسحاب الأميركي الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018، خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، باعتباره دليلاً على أن المسار الدبلوماسي لا يضمن استبعاد الخيار العسكري.
وفي هذا السياق، جاء تصريح قائد مقر خاتم الأنبياء، اللواء عبد اللهي، الذي قال فيه:
«نعدّ اللحظات لقراراتكم الحمقاء. رئيس أميركا هرم ولم يعد ينهض. المُجرَّب لا يُجرَّب. صوت الهدير القادم أقرب وأكثر تدميراً وغير قابل للاعتراض».
إن تصاعد هذا الخطاب يعكس استعداداً إيرانياً لاحتمال مواجهة جديدة، لكنه يطرح سؤالاً أكثر تحديداً: ما طبيعة الحرب التي تتوقعها طهران، وما الأهداف التي قد تكون في صلبها؟
ثانياً: من استهداف المنشآت النووية إلى ضرب البنية التحتية
يبدو أن جانباً من الخطاب الإيراني يتعامل مع احتمال انتقال المواجهة إلى مستوى يتجاوز استهداف المنشآت النووية والعسكرية التقليدية، ليشمل البنية التحتية الحيوية، ولا سيما منشآت الطاقة وشبكات الاتصالات ومراكز البيانات.
،وهناك خطط أميركية محتملة لاستخدام قنبلة «أم القنابل» (MOAB) لاستهداف منشآت حيوية، بما فيها منشآت مرتبطة بالطاقة وموقع جبل الفأس النووي.
وجاء في رد محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، أن استهداف البنية التحتية الإيرانية سيقابَل بتحويل الأراضي المحتلة إلى «أرض محروقة»، مع توقع فرار المحتلين إلى سيناء.
ويمكن قراءة هذا التصريح، سياقه وتفاصيله، بوصفه تهديداً بتوسيع نطاق الرد الإيراني ليشمل أهدافاً استراتيجية داخل إسرائيل، بدلاً من حصره في الردود العسكرية التقليدية.
المغزى الاستراتيجي هنا هو احتمال انتقال المواجهة من حرب تستهدف المنشآت العسكرية والنووية إلى حرب بنى تحتية متبادلة: الطاقة مقابل الطاقة، والاتصالات مقابل الاتصالات، ومراكز البيانات مقابل مراكز البيانات.
وهذا النوع من المواجهات لا يقتصر تأثيره على القدرات العسكرية المباشرة، بل قد يمتد إلى الاقتصاد والخدمات العامة والاتصالات والقدرة على إدارة العمليات العسكرية نفسها.
ثالثاً: هل أخفقت الضربات السابقة في تحقيق أهدافها؟
تقول شخصيات إيرانية إن العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية لم تحقق سوى جزء محدود من أهدافها، وتذهب بعض التصريحات إلى أن نسبة الإنجاز لم تتجاوز 10%.
وتشير تصريحات إسرائيلية وتقارير إعلامية يُستدل منها على أن الضربات السابقة، ومنها العمليات التي أُطلق عليها اسما «مطرقة منتصف الليل» و«الغضب الملحمي»، لم تنهِ البرنامج الإيراني، وأن إيران احتفظت بقدرات صاروخية وصناعية.
ويؤكد ذلك تقرير لبلومبرغ بتاريخ 10 أكتوبر الإشارة إلى احتفاظ إيران بمصانع الصواريخ، كما يؤكد كذلك محمد مخبر إن 90% من الأهداف لم تتحقق.
ومع ذلك، فإن استمرار الخطاب الإيراني حول الاحتفاظ بالقدرات العسكرية والصناعية يحمل دلالة مهمة: إذا كانت طهران ترى أن الضربات السابقة لم تحقق أهدافها بالكامل، فقد تسعى في أي مواجهة مقبلة إلى توسيع أدوات الردع، وتوجيه التهديدات نحو نقاط حساسة في البنية التحتية للطرف المقابل.
رابعاً: لماذا يحمل تعيين وزير دفاع جديد دلالة تقنية؟
في 18 أكتوبر 2026، صوّت مجلس الشورى الإيراني، وفق ما يورده النص، على تعيين مهرداد أخلاقي كتابجي وزيراً جديداً للدفاع.
وتبرز أهمية هذا التعيين، في إطار القراءة المطروحة، من خلفية كتابجي العلمية والمهنية؛ إذ درس الهندسة الكيميائية في جامعة أمير كبير للتكنولوجيا، وحصل على ماجستير في الإدارة الاستراتيجية من جامعة مالك الأشتر للتكنولوجيا، كما أمضى أكثر من 42 عاماً في قطاع الصناعات الدفاعية.
وقد يُقرأ الجمع بين الخلفية الهندسية والخبرة الطويلة في الصناعات الدفاعية بوصفه مؤشراً يستحق المتابعة في سياق الاستعدادات الإيرانية.
ومع ذلك، فإن طبيعة الصناعات الدفاعية الحديثة تجعل الجوانب التقنية، بما فيها تطوير الصواريخ والأنظمة الإلكترونية والاتصالات والقدرات الصناعية، عناصر أساسية في أي استعداد عسكري طويل الأمد.
خامساً: العراق بوصفه مؤشراً على مسارات التصعيد المحتملة.
من المؤشرات التي تستحق الوقفة بالاستعداد لاحتمال التصعيد، التحذير الذي اعلنته السفارة الأميركية في بغداد يومي 18 و19 تشرين أكتوبر، والذي يتناول مخاطر هجمات إيرانية محتملة، واحتمال إغلاق مجالات جوية وإلغاء رحلات، مع دعوة المسافرين إلى متابعة أوضاع مطارات بغداد وأربيل والبصرة والسليمانية.
ويشير التحذير، ، إلى احتمال استهداف مصالح أميركية من جانب إيران أو المقاومة العراقية ، في ظل مخاوف أمنية إقليمية أوسع.
وتكمن أهمية هذا المؤشر في أن العراق يقع ضمن بيئة جغرافية وأمنية شديدة الحساسية لأي مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل. لذلك، فإن التحذيرات المتعلقة بالمجال الجوي والمطارات والمصالح الأميركية تستحق المتابعة عند تقييم احتمالات اتساع نطاق الصراع.
وهناك فرضية اخرى ، مفادها أن إغلاق الأجواء العراقية قد يرتبط بالاستعداد لمسارات جوية محتملة تمر عبر الأردن والأنبار باتجاه إيران.
خاتمة فكرية: الإمام الشهيد الخامنئي وترامب
عندما قال السيد علي الخامنئي قبل اغتياله إن "مجيء ترامب علامة على انهيار الحضارة الغربية"، لم يكن يعلق على رجل، بل كان يشخص حضارة.
7 غرائب في ترامب كسرت الق؟ واعد المقدسة للنظام الليبرالي منذ 1945: الرئيس التاجر، عدو المؤسسات، الحقيقة كسلاح، تحالف الأضداد، العدو الداخلي، التدين بلا دين، الناجي الدائم.
"أمريكا تملك 11 حاملة طائرات، إيران تملك 11 قرناً من الحضارة. الحاملة تصدأ والحضارة لا تصدأ
