بقلم الحقوقي الاستاذ قاسم طعمة جودة رئيس اتحاد الحقوقيين العراقيين
بغداد /
إن الحديث عن محدودية الموارد المالية للدولة وضرورة ترشيد الإنفاق العام لا يمكن أن يكون مبرراً يُرفع بوجه المواطن والموظف والفئات المتضررة من الأوضاع الاقتصادية، ثم يُتجاوز عند الحديث عن استحداث الوزارات والمناصب العليا وتوسيع الهيكل الحكومي.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن التقشف وتقليل النفقات، نشهد رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي، وفرض الضرائب والرسوم، وتأخر صرف رواتب الموظفين، وتعطّل إطلاق الترفيعات والعلاوات المستحقة لهم، فضلاً عن تأخر تسديد مستحقات المقاولين والفلاحين، وتعثر المشاريع الاستثمارية، ومعاناة دوائر الدولة من نقص النفقات التشغيلية اللازمة لتوفير القرطاسية والوقود والصيانة والأثاث وغيرها من المستلزمات الأساسية، في وقت لا تزال فيه أزمة الخريجين تتفاقم وسط محدودية فرص التعيين على الملاك الدائم أو بصفة عقود.
وفي خضم هذه التحديات، يأتي التوجه نحو استحداث وزارتين جديدتين وأربعة مناصب لنواب رئيس مجلس الوزراء، بما يترتب على ذلك من أعباء مالية وإدارية إضافية، تشمل رواتب ومخصصات وامتيازات ومكاتب وملاكات وظيفية وسيارات وأرتالاً من العجلات وأعداداً من الحمايات، فضلاً عن الهياكل التنظيمية للوزارات المستحدثة وما تتطلبه من وزراء ووكلاء ومديرين عامين ودوائر وتشكيلات إدارية في المركز والمحافظات.
وكان الأجدر بالحكومة، قبل التفكير في استحداث مناصب ووزارات جديدة، أن تبدأ بترشيد الإنفاق من داخل مؤسساتها، وأن تعيد النظر في الرواتب والمخصصات والامتيازات الممنوحة لأصحاب الدرجات الخاصة والمناصب العليا، وأن تعمل على تقليل أعداد السيارات والأرتال المرافقة للمسؤولين، وإعادة تقييم أعداد الحمايات وما يرتبط بها من نفقات تشغيلية ولوجستية كبيرة تستنزف موارد الدولة وتثقل كاهل الموازنة العامة.
فبدلاً من إضافة أعباء مالية جديدة إلى أعباء قائمة أصلاً، كان الأولى اتخاذ إجراءات جادة لتقليص النفقات غير الضرورية، وتوجيه الأموال نحو الأولويات الحقيقية التي تمس حياة المواطنين، وفي مقدمتها تأمين الرواتب في مواعيدها، وإطلاق الاستحقاقات الوظيفية، وتسديد الديون والمستحقات، وتحريك عجلة الاستثمار، وتوفير احتياجات مؤسسات الدولة، وخلق فرص عمل للخريجين.
وهنا يحق لنا أن نتساءل:
إذا كانت موارد الدولة لا تكفي لتأمين مستحقات الموظفين، وتسديد حقوق المقاولين والفلاحين، وتمويل المشاريع، وتوفير الاحتياجات الأساسية لمؤسساتها، فمن أين ستُموَّل هذه التوسعات الإدارية الجديدة؟ وما الجدوى التي تبرر تحميل الموازنة العامة نفقات إضافية في وقت تُطالب فيه شرائح المجتمع بتحمّل أعباء اقتصادية متزايدة؟
إنَّ خطورة هذا التوجه لا تقتصر على زيادة الإنفاق الحكومي فحسب، بل تمتد إلى انعكاساته المباشرة وغير المباشرة على المواطن العراقي البسيط، الذي يكافح لتأمين قوت يومه في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وعلى الموظف الذي ينتظر راتبه في موعده المحدد، ويترقب استحقاقاته المالية والوظيفية التي تأخر إطلاقها، في حين تتواصل مطالبته بتحمّل المزيد من الأعباء والرسوم والضرائب.
ففي المحصلة النهائية، حين تتضخم النفقات الحكومية من دون مراجعة حقيقية للأولويات، وتُستنزف الموارد في هياكل ومناصب وامتيازات إضافية، فإنَّ المواطن البسيط والموظف محدود الدخل غالباً ما يكونان الأكثر تأثراً بنتائج الاختلالات المالية، وهما الأقل قدرة على تحمّل تبعاتها.
إنَّ مكافحة الفساد وترشيد الإنفاق لا يتحققان بالشعارات، ولا بفرض المزيد من الأعباء على المواطنين، بل يتطلبان إرادة حقيقية تبدأ من مراجعة الامتيازات والمخصصات، وتقليص مظاهر الإنفاق الحكومي غير الضروري، وإخضاع قرارات استحداث المناصب والوزارات لمعايير الحاجة الفعلية والكفاءة والجدوى الاقتصادية، مع الالتزام بمبدأ العدالة في توزيع الأعباء المالية.
فليس من العدالة أن يُطلب من المواطن شدّ الحزام، بينما تتوسع النفقات والامتيازات الحكومية. وليس من المنطق أن تُرفع لافتة التقشف بوجه الموظف وصاحب الدخل المحدود، فيما تُستحدث مناصب وهياكل إدارية جديدة تزيد من أعباء الموازنة العامة.
إنَّ العراق بحاجة إلى حكومة تُحسن إدارة موارده، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتضع حقوق المواطنين والموظفين واستقرار الاقتصاد الوطني في مقدمة اهتماماتها، لا إلى مزيد من التوسع الإداري في وقت تتعثر فيه الالتزامات الأساسية للدولة.
التقشف الحقيقي يبدأ من الحكومة نفسها، ومن تقليص النفقات غير الضرورية والامتيازات المبالغ فيها، وحماية المال العام، وتأمين حقوق المواطنين والموظفين، لا من تحميل الفقراء والموظفين وحدهم كلفة الاختلالات المالية والإدارية.
